"القذافي كان يرى في نفسه المفكر الأوحد" هكذا قدم الدكتور عارف النايض سفير ليبيا لدى الدولة مبرر ظاهرة انتحار الفلسفة الليبية، موضحاً أن تناثر مفكريها وإنتاجات مبدعيها في طوايا الحضارة الإسلامية، شكل حالة تصنيف لتاريخ المنتج الفلسفي الليبي بأنه أقرب للمعاصرة.
ولكن البحث التأصيلي يثبت أقدمية المجال في المنطقة، مؤكداً أن استثمار الفلسفة في خدمة المجتمعات وقضاياهم الحيوية، هو الهدف الأسمى من العلوم، لمواجهة ومناهضة قوة الرصاص، فالخطاب العقلاني يستطيع عبر تعزيز مبدأ العقد الاجتماعي من وضع حلول لإشكالياتنا في المنطقة العربية.
جاء ذلك ضمن أطروحات ناقشها النايض ضمن محاضرة "علامات في تاريخ الفلسفة الليبية"، التي نظمها مجلس الثقافة العام الليبي، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وشهد خلالها الحضور أمسية شعرية لمجموعة من شعراء ليبيا وهم: هليل البيجو والشاعر عبدالمنعم الفليليح، وأدار الأمسية محمد الشوبكي.
إشكالات راهنة
ماذا يقدم الفيلسوف في الوقت الراهن، سؤال يصعب علينا الإجابة عليه في ظل انتقال علماء الفلسفة في المنطقة إلى علماء تفسير، واستمرار غلق أقسام دراسة التفسير في الجامعات.
وبقاء معتقد "التكفير" لمن يدرس الفلسفة لدى الكثير من المثقفين. والتغير يبدأ بالإيمان بأن الفلسفة لغة لا تقدم لنا القبول فقط وإنما البقاء. جملة إشكالات أثارها النايض مبيناً أن بعض المفاهيم الفلسفية في كتاب "تهافت الفلاسفة" للغزالي لعب دوراً في تراجع ممارستها فكرياً، بين مؤيد ومعارض لتفسيراتها في علم المنطق والفيزيقية وعلم الماورائيات.
أسبقية تاريخية
إنشاء جمعية معنية بدراسة علم المنطق والتواصل الفكري، لإحياء الفلسفة في ليبيا، دعوة طالب النايض بأهمية إقامة خطط لبلورة تفعيلها بين المفكرين الليبيين، حيث أوضح أن هناك من يعتقد بأن الفلسفة بدأت في ليبيا في ستينيات القرن الماضي مع الدكتور عبدالرحمن بدوي، الذي أسس قسماً مميزاً في جامعة بنغازي، وساهم في تفعيل الكثير من المدارس الفلسفية.
وبالنظر إلى المكتبة الليبية فإن عناوين المجلدات والإصدارات التي ناقشت مواضيع فلسفية، لم تحمل أسماء أو إيحاء لهذا المعنى، مما لعب دوراً آخر في تأكيد تأخر الفكر الفلسفي في ليبيا.
وعودةً إلى علماء المغرب العربي ومنهم محمد بن علي الخرور وأحمد زروق فقد كانت لهم تأملات فلسفية مغايرة، إضافة إلى محمد بن علي السنوسي من قدم نظرية المعرفة وكتابات في الاجتهاد ونظرية المنطق، والقياس بأنواعه، وأغلبها إشارات إلى قدم حقبة نشأت الفلسفة في منطقتنا بشكل عام.
تضارب الآراء
عبر دراسة مناحي المدرسة الفلسفية الليبية، بين النايض بأنها متبعة للوحي والحديث النبوي الشريف، تستثمر العقل ولا تستخدم العنف في الحوار، وتدرس آداب البحث والمناظرة، مشيراً إلى أهمية تجديد هذه المدارس الفلسفية، كونها لا تقل عراقة عن المدارس الغربية.
وجاءت إثارة الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" باستحالة تطبيق قوانين المرئيات المتمثلة في حواس الإنسان لفهم طبيعة الأجزاء المعنوية، وعليه فإن الوسيلة المثلى لفهم الجانب الروحي يجب أن يتم بوسائل غير فيزيائية، تضارباً للآراء بين المفكرين، ما تسبب بتراجع المفهوم الفلسفي، رغم قيام ابن رشد في كتاب "تهافت التهافت" بالرد حول تلك الإختلافات.
سؤال الحائرين
أدار محمد الشوبكي الأمسية الشعرية التي أقيمت توازياً مع الحدث، وأحياها كل من: الشاعر الليبي هليل البيجو والشاعر عبدالمنعم الفليليح، وقال الأخير في قصيدة له بعنوان "متلاقين": "متلاقين، أمتي.. ووين؟ يبقى سؤالي، سؤال الحايرين، يمكن في أول معارفنا بدموع الحنين، ولا تلاقينا هاناك، في وين ما غابت، الشمس قبل الحين، والأكيد الأكيد إنا لقانا كان، في شي حزن ساكن، على أطراف السنين، متلاقين".
سيرة
عارف النايض، أستاذ فلسفة متخصص في العقائد ومقارنة الأديان، شارك في تفعيل الحوار بين ممثلي الأديان الأخرى، يعمل في العديد من الجامعات والمراكز الدولية، يترأس شركة تكنولوجيا المعلومات. أثناء أحداث 17 فبراير انضم إلى الثوار، وعمل منسقاً لمجموعة الاستقرار الليبية، عين بعدها قبل المجلس الوطني الانتقالي سفيرًا لليبيا في الإمارات.
