قبل نحو شهرين تقريباً، وعلى مدى يومين، انعقدت القمة الحكومية بدبي. وكانت ملتقى جميلاً في معناه وتنظيمه. كان بمثابة بوابة التقى من خلالها عدد من شرائح مجتمع الإمارات، القادة وصناع القرار والأطر التنفيذية والخبراء، بما مجموعه حوالي 2500 شخص، رجال ونساء، من داخل الإمارات وخارجها.

وفي هذه القمة وحولها الكثير مما يقال ويكتب، سواء حول التنظيم والإدارة أو المضمون والطرح أو الشخصيات المشاركة والحضور. وسأتناول اليوم خيطاً رفيعاً، لكنه مهم في حياتنا في الإمارات. هذا الخيط يلتقط من حديث سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة. في معرض رده على سؤال حول المناهج الدراسية.

عندما أعلن تحفظ سموه على محتوى مناهج التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا، مشيراً إلى تجاهل هذه المناهج للتاريخ القديم للإمارات، والتركيز على الحاضر فقط، بدءاً من قيام الدولة في الثاني من ديسمبر 1971.

ما جعل مجاميع كبيرة من الجيل الجديد، تجهل ما قبل هذا التاريخ. نعم هذا التاريخ مفصلي ونعتز به، لأنه نقطة تحول كبرى في تاريخ الإمارات. لكن تغييب الماضي يعد افتراء على التاريخ.

وبعد أسابيع من هذا الطرح، احتفلت أبوظبي بمرور 250 عاماً على انتقال أهل أبوظبي وحكامها إلى هذه البقعة، ليتخذوا منها عاصمة لهم بعد ليوا. وما مثلته هذه الانتقالة من تاريخ حديث، يقوده قصر الحصن ومن سكنه من حكام أبوظبي.

وجاء في حديث لسمو الشيخ محمد بن زايد ىل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي في أبوظبي بهذه المناسبة، حيث يقول: هذا يؤكد أننا لسنا بحدث (أي حدث عابر)، بل لنا تاريخ في هذه الأرض.

إذاً بين ما قاله سمو الشيخ منصور، ومقولة سمو الشيخ محمد بن زايد مضمون لا بد من الالتفاتة إليه بوعي ودعوة للاعتناء بالماضي، وقراءة الكتب التي تناولت آثار وتاريخ المراحل الأولى من تاريخ هذه الوطن.

منجز وتاريخ

أخذت أربط بين تألق الوطن اليوم، وما تحقق من منجز نباهي ونفتخر به، وبين ما أسس لهذا المنجز من فترات التاريخ القديم. وإذا كانت دبي إحدى العلامات البارزة في المشهد اليوم.

فكيف هي قبل هذا التاريخ. فحاولت أن أعود إلى البداية وجهود آل مكتوم في صناعة هذا المشهد، بمد فترة حكمهم المتعاقبة، والتي بدأت منذ عام 1833 م، ومن هنا أنطلق، مقدماً سلفاً الشكر لدبي المتألقة دوماً في استثارة الهمم، على ما تقدمه من تجارب ناجحة وجهود بارزة في العطاء والبناء.

إحداها هذه القمة الحكومية التي أثارت سؤالاً استنكارياً يستوجب الوقوف عنده، لمعالجة القصور في التعمق في دراسة تاريخ الإمارات وجغرافيتها وتضاريسها.

وتأتي الدعوة الجديدة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لسنوية انعقاد القمة، مؤشراً لاستمرارية البناء والعطاء.

دبي والتاريخ القديم

لقد برزت دبي على صفحات التاريخ منذ عصور عدة، واحدة من مناطق الإسهام في التواصل الحضاري، وتؤكد ذلك حضارة القصيص التي تضم مستوطنات ومدافن تعود إلى 2600 2400 ق.م، وحضارة الصفوح 2500 - 2000 ق.م، وصاروج الحديد التي تعود إلى الألف الميلادي الأول. وموقع جميرا الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي.

كما ورد ذكرها في أكثر من مرجع تاريخي وجغرافي وفي تقارير الرحالة. ولقد ذكرها البكري صاحب كتاب "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع"، حيث يقول "دبي" بضم أوله وكسر ثانيه وتخفيفه بالياء المشددة، الموضع الواسع المال".

دبي في العصر الحديث

لقد جاء ذكر دبي في العصر الحديث في أكثر من مرجع، كما ذكرت سلفاً، مما دونه (المؤرخون، وكذلك ما سجله الرحالة الذين زاروا دبي)، وحيث إن المرحلة التي بدأت منذ عام 1833 بحكم آل مكتوم للإمارة، هي المرحلة الأبرز في تاريخ هذه الإمارة، ليأتي عام 1894م، الذي تولّى فيه الشيخ مكتوم بن حشر الحكم، لتشهد دبي نقلة نوعية.

فبحلول عام 1901 تصل الأخبار إلى الشيخ مكتوم بتذمر التجار الإيرانيين في ميناء لنجة على الساحل الإيراني، بعد أن قامت السلطات الإيرانية بتأجير الموانئ على شركة بلجيكية لإدارتها.

فقامت الشركة برفع الرسوم الجمركية، وفرضت الضرائب على الواردات التي وصلت إلى 25 %، فما كان منه إلا أن أرسل وفداً من رعاياه يضم كلاً من خميس بن فيروز ومحمد جعفر وعبد الله باقر إلى لنجة، للقاء تجارها وتجار المناطق المجاورة لها، لدعوتهم للمجيء إلى دبي وممارسة أعمالهم وتجارتهم عبر موانئها وأسواقها، مقابل إعفائهم من رسوم الاستيراد، وتحصيل نسبة 1 % على الصادرات فقط.

بعد أن كانت تصل إلى 5 %، فجاؤوا إلى دبي، وتحولت وجهة تجارتهم والسفن الواردة إليهم إلى دبي.

فلقد جاءت باخرة تتبع شركة إيران والهند لأول مرة إلى دبي، محولة مسارها من لنجة، حاملة بضائع التجار عبد القادر عباس وإخوانه، وهي عبارة عن أقمشة وبضائع مختلفة. وفي عام 1928، تحولت آخر باخرة "بامورة" مغيرة طريقها من لنجة إلى دبي، لتصبح بذلك كل البواخر تتجه إلى دبي.

وصف هرمان بوخارت

ولقد جاء وصف دبي فيما ذكره الرحالة الألماني هرمان بوخارت (1857 - 1909)، الذي زار المنطقة بداية القرن العشرين، فيما ذكره من مذكراته التي صدرت في كتاب (رحلة عبر الخليج)، حيث يقول "... تتألف دبي من ثلاثة أقسام:

1) دبي الأصلية مع سوق البانيان والمسجد الكبير، وأطلال قلعة برتقالية، وثمة عدد من الأبراج التي تحمي الموقع في وجه الهجمات من جهة البر، تؤطر أرباض البلدة.

2) القسم الجنوبي، أي الشندغة مع قصر الشيخ.

3) الديرة (ديـرة) التي تقع على لسان طويل وضيق من البر محاط بالخور. هنا، في هذا القسم، يجد المرء السوق المهم جداً، بأزقته الواسعة والضيقة.

 لقد رأيت كثيراً من البضائع التي تحمل كتابة "صنع في ألمانيا" بشكل رئيس أدوات المطبخ المطلية بالخزف، كما تتوفر جميع أصناف الكعك والسكاكر الإنجليزية... ولتسهيل التجارة، كان هناك حتى رصيف حجري... "ويقول" سمعت بأن الشيخ قد قام بتصرف ذكي بإلغاء رسم 5 % الجمركي المسموح له بتحصيله، وأعلن دبي ميناء حراً، ونتيجة ذلك، جاء العديد من التجار للاستقرار هنا" ص 226

دبي الخير

إذاً في ظل هذه السياسة التي انتهجها الشيخ مكتوم بن حشر، والتي استمرت في حكم خلفه الشيخ بطي بن سهيل (1906 1912)، ففي هذهِ المرحلة استمرّ الازدهار، وارتفع عدد سفن الغوص، فبعد أن كان عددها عام 1907 بعد عام من تسلّمهِ السلطة (800) سفينة، بلغ عددها عام 1912م - عام وفاته (1200) سفينة بزيادة (400) سفينة.

كما ذكرت ذلك مجلة العرب التي كانت تصدر في الهند في عددها الرابع 1393، كما ينقل ذلك أ.د. طارق نافع الحمداني في كتابهِ (أخبار الخليج العربي التاريخية في مجلتيّ العرب والعرب الهندية)، ومن ثم عقبه بدءاً من الشيخ سعيد بن مكتوم وأولاده وأحفاده نمت دبي وازدهرت.

وعندما جاء الشاعر مبارك بن حمد العقيلي من الإحساء في أواخر فترة حكم الشيخ مكتوم بن حشر واستقر بها، ردد في شعره:

 

جئتُ دبــي وأنـــــا صبـــي

مــــــــن غيـــــــرِ أمٍّ وأب

أســـرتْنِــــــــي بِـهواهـــا

منــــــذُ أنْ كنـــتُ صبـــي

فتـركـــــتُ لِسـواهــــا

مــــــن مهـــاةٍ وظبـــــي

بلـدةٌ طــــــــابَ هواهَـــا

بلــــدةُ الخيــــرِ دُبـــــــي

أو "مهيط الخير دبي" كما في رواية أخرى.

وشهدت هذه المرحلة مجيء الكثيرين من أهل الخليج والزبير للإقامة والعمل، من خلال أسواق دبي التي أخذت تزدهر عاماً بعد عام، وأصبحت بذلك منطقة جذب ومرور "ترانزيت"، وقد أشار إلى ذلك الشاعر النبطي علي بن محمد بن قنبر الهاملي، حيث يقول في قصيدته التي هي عروس شعر مر بها على الحكام بالمنطقة، ولما جاء بها إلى دبي قال على لسانها:

يا نور قلبك ظنّي أنوى شمالي

لدبي فيها من عديم وغالي

دار العرب هل بالوجوه الجمالي

وذي ديرة ينصا لها كل مرار

دارٍ شراها قطّ يا نور ما أحيد

مشهور حاكمها أبو راشد سعيد

 

مترجماً دورها الحضاري وأن كل إنسان لا بد له أن يمر بها.

ففي هذه المرحلة التي تولى فيها الشيخ سعيد بن مكتوم حكم دبي (1912 1958)، بدأت دبي تؤكد دورها الريادي. بوضع الأنظمة والتدابير التي من شأنها إرساء التنظيم الإداري والاقتصادي للبلد.

وأصدرت التعاميم والقرارات لتنظيم علاقات العمل، وتأسيس المؤسسات الإدارية والاقتصادية والمالية. بتنظيم السوق والحمولات وأجرة الخدمات ورسوم وأوزان البضائع والعبوات.

وتمكن المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي حكم دبي من 1958 1990 من السير بدبي لتحقق قفزات حضارية مهمة. ولقد مارس مهام الحكم أثناء حكم أبيه الذي أتاح له فرصة العمل والتنظيم.

وجاء في خطاب الدعوة التي وجهها للأعيان لحضور حفل تنصيبه حاكماً للإمارة في 18 فبراير 1958 ما نصه ".. والله أسأل أن يوفقنا لخدمة شعبنا والصالح العام.."

وقد وفقه الله ويسر له سبل الانطلاق بفكره وإرادته لتحقيق ما كان يصبو إليه. وأصبحت دبي تزداد تألقاً وريادة، ما جعل الشاعر راشد بن سالم الخضر يقول فيها:

إلى دار الوصل تجري سفنّـا

دبي اللي بها تـرْف انشرات

شراة دبي مول بلاد ما شي

ولو صارت فلك في البحر ما شي

لصارت مصر قلص من المواشي

وباقي البلد للبرد دفراتي

 

ويشير بذلك إلى أن دبي أصبحت الأهم بين البلدان، فلو أنها كانت سفينة كبيرة تسير في البحر لأصبحت "مصر" سفينة صغيرة "ماشوه" وهي السفن الصغيرة التي ينزل بواسطتها الركاب إلى الساحل، عندما تكون السفن الكبيرة غير قادرة على الدنو من الأرصفة.

أما البلدان الأخرى فستكون بمثابة القطع الخشبية أو المطاطية أو الحبال التي توضع على أطراف السفينة حتى لا تحتك وتتأثر عندما تصطدم بالسفن الأخرى أو الأرصفة.

طريق التنمية

دبي كانت سائرة بعزم على طريق التنمية بتكاتف جميع قطاعات المجتمع، وبتعاضد الحكومة وقطاع المال والأعمال. التسهيلات والتشريعات من الحكومة والعمل والبناء من رجال المال. كما تسهم الحكومة بتقديم المشروعات الكبرى التي تمثل البنية التحتية والأساسية لعمل التجار.

فكان تعميق الخور لتسهيل دخول السفن الصغير إلى القرب من أماكن التنزيل والتحميل.. وكان إنشاء الموانئ ميناء راشد وميناء جبل علي، ومطار دبي وسائل دعم لذلك. ولعل مطار دبي الذي بدأ يستقبل الطائرات المائية قبل الحرب العالمية الثانية، حيث هبطت أول طائرة، نجد الحكومة تقوم في عام 1959 بشق مدرج رملي طوله 4000 قدم في موقع المطار الحالي.

وفي عام 1960، وبتاريخ 30 سبتمبر، كان افتتاح المطار في الساعة التاسعة والنصف صباحاً، برعاية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وفي حضوره وعدد من المسؤولين والجمهور كان الافتتاح، وقد ألقى كلمة الافتتاح نيابة عن سموه ولي عهده المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد.

وجاء في الكلمة: أيها الضيوف الأعزاء.. أيها السادة.. أيها الإخوان الكرام، بالنيابة عن سيدي الوالد المعظم، وبالأصالة عن نفسي، أحييكم أجمل تحية، وأشكركم على حضوركم هذا الحفل البهيج، والمناسبة السعيدة لافتتاح مطار دبي، إن افتتاح مطار دبي اليوم، وافتتاح دائرة التلفون بالأمس، إنها كما تعلمون بعض من عدة مشاريع اقتضتها متطلبات التصور الحديث لبلادنا، ويجري العمل الآن لتحقيقها.

والأمل أن يتم بعون الله في وقت ليس ببعيد، وفي مواعيد متقاربة، افتتاح مشاريع الكهرباء والماء، والميناء، وكلها تبشر والحمد لله بما ينتظر وطننا العزيز من مستقبل باهر، ومن تقدم وازدهار، وهي بالتالي ضمان لشعبنا الكريم إن شاء الله في حياة أفضل، وعيش أهنأ بفضل حبكم وتعاونكم للبناء والتقدم.

فما من أمة تعاونت واتحدت، إلا وسار النجاح في ركابها.

أيها السادة، إننا لن نألو جهداً في سبيل سعادة شعبنا وحريته وتقدم بلدنا الحبيب وأبنائه، متعاونون في ذلك مع جميع أصدقائنا وإخواننا العرب في كل مكان.

وأخيراً، أتقدم بالشكر إلى جميع الذين سعوا أو ساهموا في سبيل تحقيق هذا المشروع من الأصدقاء والموظفين، وخاصة ما بذله (المستر هوج مدير المطار) ورفاقه من جهود تذكر. والله أسال أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تطورات تنموية

وفي هذه الكلمة إشارات إلى ما ستشهده دبي من تطورات تنموية، شواهدها ما وصلت إليه الآن، وما هو متجاوز لحلم تلك الفترة.

ففي عام 1962، بلغت الحركة الجوية 1250 رحلة، وتمت الموافقة على بناء مدرج جديد طوله 9200 قدم، وعرضه 150 قدماً، وقد تم افتتاحه عملياً للنقل الجوي العالمي في مايو 1965، وبدأت مرحلة جديدة من النمو، ليتم تطوير المطار في أكثر من مرحلة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.

إن التطور الحقيقي لميناء دبي، كان بصدور القانون الأساسي الذي أصدره المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في 25 أكتوبر 1957، والذي كان يمارس شؤون الحكم، كما أسلفنا، في فترة حكم أبيه الذي توفي عام 1958.

وكان هذا القانون ينظم عمل هيئة ميناء دبي، وتفويضها في كل ما يخص أمور الميناء، والبضائع المارة، وفي 23 أكتوبر عام 1958، أصدر المغفور له الشيخ راشد بتشكيل مجلس إدارة الهيئة.

والذي يؤكد عوامل نجاح دبي، حيث ضم المجلس عناصر من التجار وممثلين عن أهم مؤسستين مالية وفنية. مدير البنك البريطاني للشرق الأوسط، ومدير شركة جري مكنزي وشركاه المحدودة، المتخصصة في أمور البواخر توكيلاً ومناولة.

 

تعاون وتسهيلات

 

كنا قد تحدثنا عن تعاون الحكومة والتجار في عملية التنمية، ففي السابع من مارس عام 1950، تم توقيع اتفاقية بين حكومة دبي وبعض التجار لتأسيس شركة لخدمات مد دبي بالكهرباء، تغطي الإمارة وملحقاتها، وكان هذا الامتياز الممنوح من الحكومة لمدة خمس وثلاثين سنة، اعتباراً من البدء في نصب المعدات.

ويلتزم الحاكم بموجب ذلك بعدم إعطاء امتياز لشركة أخرى، وأن تعفى معدات الشركة التي تستورد من الخارج من الرسوم، وتلتزم الشركة مقابل ذلك بمنح الحكومة 10 % من صافي الأرباح، وقد وقع هذه الاتفاقية المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، وستة عشر تاجراً من المؤسسين.

كما تجلى ذلك في بروز العديد من الشركات الخاصة والعائلية التي تعمل في التطوير والبناء والاستثمار والتجارة، مستفيدة من التسهيلات، ومن الإمكانات التي تحققت لنمو الاقتصاد الحر، ولم يقتصر الأمر على التجار المواطنين فحسب، بل أعطيت الفرصة لرؤوس الأموال الوافدة لتعمل جنباً إلى جنب، لا تنافساً، بل استكمالاً للأدوار. وإتاحة الفرصة للمنافسة الشريفة.

 

منجز حضاري

 

تمكن المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (1958 1990)، من السير بدبي قفزات مهمة، حققت لها منجزاً عظيماً، ففي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، التقيت أحد الدبلوماسيين اليابانيين، وتحدثنا عما أطلق عليه هو يومها الطفرة الحديثة.

فقلت له إنها ليست طفرة، وإنما هو تطور متواصل، فرد موافقاً. وقال في النصف الثاني من الستينيات كنت أعمل في سفارة بلادي بدولة الكويت. وقد طلبت مني حكومتي زيارة حاكم دبي، فجئت في هذه المهمة، والتقيت الشيخ راشد في مجلسه المطل على الخور.

ولقد تحدث الحاكم عن طموحاته وأحلامه للتطوير، قائلاً، سنعمل كذا وكذا كما هو عندكم في اليابان وغيرها من البلدان، يقول محدثي، كان الحاكم يتحدث بثقة، وكنت أقول إنه يحلم، ولا داعي لمقاطعته، فكيف لهذه الإمارة أن تتطور وأن يتحقق فيها ما يفكر فيه حاكمها، وحالها لا ينبئ بإمكانية ذلك.

فليس فيها ما يؤسس لما يقوله: يقول، لكنني احتراماً لمكانته، وكوني ضيفاً مرسلاً من بلادي في مهمة، لم أناقشه في شيء مما قاله.

وها أنا أعود ثانية بعد حوالي عقدين من الزمن، لأرى أن ما تحقق يفوق كثيراً ما كان يحلم به الحاكم ويردده. ولقد تحققت نهضة لم أتصور أن تتم، ولا يمكن أن تتم في بلد له من الإمكانات ما لدبي آنذاك.

نحو عالم جديد في مسيرة التميز

 

وتمر السنون، وفي عام 2006، يتولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مقاليد الأمور وحكم دبي، التي بدأت تسارع الخطوات نحو عالم جديد، فقد نظر سموه إلى قول الشاعر المتوكل الكناني:

لسنــــا وإن أحسابنـــا كرمـــت

يومـــاً على الأحســـابِ نتكــل

نبني كمـــا كــــانت أوائلنـــا

تبني ونفعـــل مثلمـــا فعلـــوا

لكنه لم يقنعه هذا القول، فيرد عليه بما معناه تغيير الشطر الأخير، وكأنهُ يقول: "ونفعل فوق ما فعلوا".

فكانت الرؤية الثاقبة وروح المغامرة تحركان عجلة النمو، بعد أن وضع نصب عينيه هدفاً محدداً هو: "الرقم واحد"، وألغى من قاموسه مفردة مستحيل، وأطلق مقولة (الطاقة الإيجابية).

ولقد مارس سموّه شؤون الحكم والتطوير منذُ أن تولّى ولاية العهد في حكم شقيقه المرحوم الشيخ مكتوم بن راشد (1990 - 2006)، ليبدأ المسيرة منذُ تلك الفترة، سائراً على خُطى والده الذي مارس الحكم، ووالده حاكماً للإمارة. ولعلّ أهمّ ما يميّز مسيرة التنمية في هذه المرحلة، الـمُضي بـخُطى متسارعة في الجانب الاقتصادي الاستثماري والتجاري، دون إلغاء أو إهمال لباقي عناصر التنمية.

فقد تمّ الاتجاه إلى عناصرها كلها، من اهتمام بالتعليم على مستوى التعليم العام والخاص والجامعي، وكذلك التعليم النوعي.

بالإضافة إلى الثقافة والفنون، وتوفير البيئات اللازمة لتطوّرها ونموّها وبرامجها من مسارح وصالات عرض للفنون ومهرجانات ومزادات، وتمّ الاعتناء بالتراث البري والبحري، من سباقات الخيل والهجن والسباقات البحرية، والاهتمام بالرياضات المختلفة، التي جعلت من دبي نقطة تجمّع للرياضيين في الرياضات المختلفة التراثية والحديثة.

وكذلك البناء الاجتماعي من رعاية وتنمية، والتكامل مع مستجدات العصر الجديد، وتطويعها للإسهام في عملية البناء، والاستفادة من المعلوماتية والإعلام الجديد، وسياحة المؤتمرات التي تمثّل تجمّعات إيجابية تطلع على المنجز، وتسهم في تطوير التجربة، حتّى غَدَتْ (دُبــي)، تجربة يسعى الكثير من الدول النامية والمتقدّمة إلى الاستفادة من تجربتها، أو محاولة استنساخها.