البحث عن مصادر تنوع التراث، إثراء معني بالقيمة الإنسانية والترابط البشري بين الحضارات، بينما يطرح الجيل الجديد سؤالاً: ما القيمة من التعاطي مع التراث المادي والشفاهي؟ وإلى أي مدى يمكنه خدمة التطور المعاصر، المتعلق بالسرعة المعلوماتية والتكنولوجيا في صناعة بيئة تفاعلية؟ لتأتي الإجابة من المختصين المشاركين في أولى جلسات "مقهى الدريشة الثقافي" الذي ناقش الفنون والألفاظ الزراعية البدائية المحلية، بأن ابتكار أساليب حديثة لطرح المادة التراثية، واستثمار الباحثين بإشراكهم في إعداد المنهج الدراسي الوطني، إلى جانب تضمين البرامج الثقافية الإنسانية البدائية بشكل رسمي، خطوات جادة لإحداث حراك يفعل أهمية قيمة التراث في المفهوم العام للمجتمع، وتأصيل معنى التراث في قدرته على صياغة لغة وهوية إنسانية للأفراد.

هدف تنويري

انطلق مقهى الدريشة الثقافي أول من أمس، بجانب سوق العرصة، ضمن فعاليات أيام الشارقة التراثية، وشارك فيه الباحث أحمد عبيد الذي تناول "الألفاظ الزراعية القديمة في دولة الإمارات"، أما الباحث الدكتور محمد يوسف، فقد طرح موضوع "الفنون البدائية مصدر للتراث"، ويعتبر مقهى "الدريشة الثقافي" إطلالة نوعية، تهدف إلى تعزيز الدور التنويري، والاحتفاء بالتراث من خلال بيان شواهده وقيمه ومعالمه من أجل أجيال جديدة، وتحقيق مرآة مستدامة في ذاكرة الوطن.

المعجم الزراعي

قدم الباحث أحمد عبيد شرحا حول أصناف نخيل التمر المنقرضة والباقية والدخيلة، ضمن دراسة شكلت معجماً متكاملاً، يضم نحو 900 صنف من أنواع التمور، مدعوماً بالصور والوصف الميداني للبيئة الزراعية، وقال عبيد: "حاولت مسح منطقتنا المحلية بشكل كامل من المنطقة الغربية في أبوظبي وصولاً إلى الفجيرة ورأس الخيمة، ولم أكتف بالبحث عن تمور معينة أو أشجار محددة، بل درست الإشارات التاريخية لأسباب هجرة الناس عن تناول بعض أنواع التمور لاعتمادها على أصناف تجارية، ما أدى لانقراضها بسبب قلة الاهتمام".

زخم تاريخي

اهتم عبيد بمعجم الألفاظ الزراعية، الذي ضم إليه أخيراً 6 مسميات جديدة لأنواع الشعير والقمح، أما شجرة النخيل، فقد اهتم عبيد بدراسة كل جزئية متعلقة بمسميات استعمالاتها والآبار المستخدمة في استخراج المياه، منوهاً إلى توثيقه اختلاف النطق بين المناطق في الإمارات، مؤكداً أن الاشتغال على ألفاظ المناطق الجبلية والساحل الشرقي، ينضم إلى جعبة مشاريعه البحثية أيضاً لأهميتها من جانب، ولأنه لا يتم الالتفات إليها كثيراً من الباحثين من جانب آخر، رغم غزارتها التاريخية وزخم الألفاظ فيها. ويعمل عبيد حالياً على معجم للألفاظ البحرية.

سياحة ثقافية

لفت عبيد إلى أن عمله في مجال البحث لا يحمل سوى سمة الالتزام التامة، والمادة البحثية تحتاج عادةً إلى جهد غير عادي، باعتبار أن الباحث قادر على الوصول إلى المعلومة وإعادة إنتاجها بمساعدة كبار السن الأحياء منهم، لأنهم بدأوا يواجهون تحدي وفاة الكثير من الرواة، بينما لا يهدفون لأن تحفظ المادة البحثية في إصدار أو كتاب، بل أن يتم تفعيلها عبر عدة مجالات تعليمية وسياحة وثقافية معاصرة، معاتباً عبيد الجهات الثقافية والمؤسسات الوطنية تجاه استثمار خبرات الباحثين وترجمتها على الواقع الثقافي.

توصيات

جاءت توصيات الباحث الدكتور محمد يوسف عبر ندوة "الفنون البدائية مصدر للتراث" في المقهى نقطة حية، شملت عناوين حول أهمية دراسة التراث لقدرته على تحقيق الترابط الإنساني والتماسك بين الشعوب، وقال حول ذلك: "لابد أن نوجه بضرورة دراسة الفنون البدائية ورصدها كمصدر للتراث من أجل الترابط الإنساني والتماسك بين الشعوب، وتدريس الأزياء الشعبية بألوانها في الجامعات وعمل أبحاث عليها، وإعادة دراسة المناهج الوطنية، وتضمين برامج تراثية تأصل الفنون الإنسانية البدائية بشكل رسمي، وليس التجاري السطحي، عل جميعها يكون درعاً لحماية الأرض والتراث والفنون على مر الأيام للأجيال القادمة". وانتقل يوسف بين محاور التراث وتطوره وارتباطه بالفنون المادية والملموسة والمتعارف عليها، إلى اختلاف الأديان والمذاهب وما تركته من سيرة تراثية ضخمة.

تساؤلات

طرح يوسف، بعد مقدمة أوضح فيها علاقة الفنون البدائية التي مرت عبر الحضارات المتتالية، سؤالاً مفاده: هل ذهبت هذه الحضارات وفنونها الأولى أدراج الرياح؟ مؤكداً في إجابته أن آثار تلك الفنون المادية والشفاهية موجودة، باعتبار الفنون إما إرث حضاري مادي على شكل مبانٍ وملابس وأدوات ومصوغات وأوانٍ أو شفهية مرتبطة بالأغاني والموسيقى والشعر والأدب والقصة والحكاية الشعبية والإيقاعات، وحكايات الأطفال، متبادراً إلى ذهنه سؤال آخر: هل هذه الفنون وجدت لتكون فنوناً منذ بدايتها؟

 أم أن الباحثين والمتتبعين اعتبروها تراثاً، خاصة أنها مرتبطة بالحاجة الاستهلاكية البحتة ولإيماننا الكامل بأن كل موروث هو ناتج حاجة الإنسان له؟ مؤكدا أن إنسان الغابة والصحراء والبحر فكر جيداً في حماية نفسه من الطبيعة بأوراق الأشجار والقماش والجلود لستر عورته، وتلوين نفسه للتمويه بألوان تساعده على اصطياد فريسته، ومعها تطورت فنون البراقع والأقنعة الرجالية والنسائية، وهي حاجة استهلاكية جمالية منذ بداياتها، ولم تكن في يوم من الأيام من أجل التراث والخلود، ولكن مساهمات الباحثين وتقيمهم على أنها تراث، شكل بدايات أولى لهذه الفنون.

 

 

اهتمام محلي

 

لفت الباحث الدكتور محمد يوسف إلى أن الفنون البدائية في الإمارات لعبت دوراً مهما في تثبيت هذا المفهوم المادي والشفاهي وهي خاصية علاقة الإنسان بالأرض والتمسك بها، من خلال تداول بعض الكلمات والقصائد، كالتي ينشدها المشاركون بفن العيالة أو الحربية، أو عيالة أهل العين، بالإضافة إلى الونّة ونهمات أهل البحر في الغوص وأثناء التجديف ورفع الشراع، كما هو معروف بفن الأنديما، ورقص أهل البحر في حالة فرحهم على ظهر السفينة. كما أن حكايات الأطفال وخراريفهم مجال رحب لارتباط الإنسان بالأساطير الأولى، مع انتماء هذه الفنون الروائية إلى العالمية وإن اختلفت مسمياتها، ولكنها تظل مرتبطة بالتراث الإنساني.