كان متوقعاً أكثر من ذلك، في عرض مسرحية "سيد القبو" للمخرج الدكتور حبيب غلوم والمؤلف جمعة علي، التابعة لمسرح بني ياس، والتي عرضت مساء أول من أمس في معهد الشارقة للفنون المسرحية، ليس تقليلاً من فكرة العرض الذي حمل بين طياته قضية عالمية وهي الاتجار بالبشر، ولكن لما للقائمين على المسرحية من خبرة علمية واحترافية تؤهلهم لتقديم ما هو نوعي ومتجدد. كانت الفصحى هي لغة النص، أما الجغرافيا فالتزمت بفعل الحياة تحت الأرض بنموذج القبو السفلي، وشكلت الإضاءة لون التنوع والإسقاطات على الممثلين، وكان الأخير الأنجح في العرض. "سيد القبو" مثل شخصية مثقفة تصدرت لهزائمها الداخلية المرتبطة بالخيانة والعشق إلى استغلال أرواح ضائعة بدواعي توسل الحب والاحتواء ولقمة العيش.

قضية إنسانية

شخصية سيد القبو والتي قام بأدائها الممثل جمعة علي، مليئة بالصراعات الداخلية على المستوى الفكري، وتم التطرق إليها بعدة إشارات منها الكتب التي كان يقرأها وهو في حالة سكر دائمة، أوحت بمستويات الألم للشخصية. وتتفاعل الأحداث داخل القبو تحت الأرض بين شخصيات غير معروفة الهوية، تولى سيد القبو تربيتهم عبر التسول، لإمدادهم بالحياة كما يعتقد، ومر الصراع الخارجي ضمن إيقاع واحد وهو الاعتراض والعتب والتأنيب الدائم من قبل تلك الشخصيات على سيد القبو، والحال الذي أوصلهم إليها. وازاه تدخل جماعة تمثل "مافيا" في الإتجار بالبشر، تأتي إلى موقع القبو وتطالب سيد القبو بالخروج منه، وتسليم الأشخاص الذي يتولى الإشراف عليهم وهو إيحاء للشبكات الخارجية الضخمة لتلك القضية الإنسانية، التي تتجاوز مرحلة التسول إلى الاستغلال الجسدي والنفسي.

مساحات تعبيرية

جميع الصراعات الداخلية والخارجية في العرض، أعطت ملامح مقتضبة ومختزلة، دون بيان تفاصيل أكثر لمتغيراتها وتجلياتها النفسية والفكرية، وبالمقابل فإن العمل أمتلك جهودا تمثيلية قادرة على تسوية تلك المساحات التعبيرية على الخشبة. واقتضت السينوغرافيا بمجموعة من الأنابيب المتعلقة بمجاري المياه وغيرها، وتم إضافة إنارة صغيرة ألصقت على زوايا بعض الأنابيب قدمت تلويناً للمشهد الجغرافي، وفي يسار الخشبة جاء السلم الذي يقود إلى الأعلى وهو إيحاء للمنطقة الفكرية اليسارية، التي هي دائماً تؤجج منطقة التغير في المجتمعات.

النهاية

اعتمدت زمنية التلاقي في الحوار بين الممثلين، على سرعة الإيقاع، وذهبت اللغة فيها إلى ارتفاع في الصوت، أدى في كثير من المواقع إلى عدم وصوله إلى المتلقي بشكل متناغم. النهاية في مجملها لم تقدم أسئلة للجمهور، بل حلولا مباشرة، انتهى العرض بموت سيد القبو على يد إحدى الشخصيات التي اعتنى بتربيتها، اعترف فيها سيد القبو في أوج آلمه بطعنة الخنجر المدسوسة في ظهره أنه ضحى بالكثير من أجلهم، وسعى بأن يحافظ على مرتكزات حياتهم. وتتبع الجمهور مشهد الموت بعد أن رمى سيد القبو بأموال ووثائق تخص من اعتنى بتربيتهم طالباً منهم الرحيل، بعد ازدياد الضغوطات الخارجية عليه.

الندوة التطبيقية

أوضح مجموعة من النقاد والمتخصصين في الندوة التطبيقية لمسرحية "سيد القبو" أن العمل احتاج مزيداً من القراءة في الفعل الاجتماعي للشخصيات على الخشبة، بتوسيع أكبر لنطاق مساحات الصراع داخل العمل، كونه يحمل قضية إنسانية عالمية، إلى جانب أهمية الاشتغال أكثر على التفاعل مع مفردات السينوغرافيا التي رأوا منها جامدة، ولم تستثمر في تعاطي الممثلين مع المشهد، وأن مشهد الطعن الأخير كان يحتاج إلى تحقيق للمأساوية بشكل أكبر. وقال المسرحي كريم رشيد حول معطيات العرض: " لم يقدم العرض أسئلة جديدة، الجمهور على دراية تقريباً بنهاية المسرحية، وأن تلك النوعيات من القصص شاهدنها في السينما والتلفزيون، وحضورها مسرحياً يعتمد على ما هو غير متوقع".

مقومات الصنعة

واعتبر المسرحي عبدالكريم جواد أن مسرحية " سيد القبو " توفرت فيها مقومات الصنعة المسرحية التي يمكن وصفها بالجيدة وهذا لا يعني أنها وصلت إلى مرحلة إبداعية عالية، مقدماً أسباباً لذلك وهي: أن القضية المطروحة عائمة وشائكة، ولم تحمل إشارة لجغرافيا الحدث كأن تكون في الخليج أو العالم العربي، افتقدت عبر ذلك هويتها التي ستدعم قوة الطرح ومدى التصاقه بالحياة اليومية للجمهور، كونها قضية إنسانية ويسعى العرض إلى زيادة الوعي اتجاهها، مضيفاً في حديثه حول ارتفاع صوت الممثلين على حساب الصوت الداخلي للمعاناة الداخلية للشخصيات.

من جهته أكد المخرج حبيب غلوم حول مداخلة المسرحي عبدالكريم عبدالجواد أن استثماره لتغريب العمل في المسرحية، دونما إعطاء ملامح خليجية للقضية، يرجع إلى اعتبارات أن أغلب الممارسين لهذا الإشكال العالمي في الإمارات تحديداً يكون من قبل جماعات غير خليجية وغير عربية، ولإكسابها أيضاً البعد العالمي في التناول والتحليل.

هارموني

 

أشار الممثل القطري غانم السليطي أن العرض يقودنا مجدداً للبحث عن مفهوم للهارموني في عروض مهرجان أيام الشارقة المسرحية، ويقصد بها تلاقي قوى الممثلين بقوى النصوص والإخراج، موضحاً أن الممثل جمعة علي في مسرحية "سيد القبو" على سبيل المثال طاقة تمثيلية غير عادية، والحاجة إلى قراءة إحداث التوازن أصبح ضرورة لتحقيق استمرارية إبداعية لتلك الجهود الجبارة.