يعتبر المركز الوطني للوثائق والبحوث في وزارة شؤون الرئاسة من أبرز المؤسسات العربية التي تعمل باهتمام على جمع وتوثيق وحفظ كل ماله علاقة بالتاريخ القديم والحديث لدولة الإمارات ومنطقة شبه جزيرة العربية.

ويأتي هذا الاهتمام انطلاقا من الرؤية العميقة لسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة رئيس مجلس إدارة المركز في فهم مكنون التراث والتاريخ ودورهما في تنمية الولاء الوطني وتأصيل سيادة الدولة على أرضها.

ويترجم المركز هذا الاهتمام عبر التعاون والتفاهم مع الأرشيفات العالمية لتزويده بمختلف الوثائق والمراسلات والخرائط والمخطوطات والصور وغيرها من المقتنيات الاخرى ذات الصلة بالامارات على وجه الخصوص ومنطقة الخليج بشكل عام.

وأنشأ المركز العديد من الأرشيفات التي تسجل وثائقها الكثير عن منطقة الخليج بشكل عام كالأرشيف الإنجليزي والبرتغالي والفرنسي والأميركي والأرشيف الياباني وغيرها من الأراشيف.

ومن بين الأرشيفات المهمة في المركز الأرشيف العثماني الذي تم تأسيسه عام 1972م تحت اسم "الأرشيف العثماني"، ويعد من أكبر الأرشيفات العالمية لما فيه من وثائق تؤرخ للامبراطورية العثمانية التي ترامت أطرافها في قرون قديمة مضت.

ويعود سبب الاهتمام بإنشاء الأرشيف العثماني في المركز إلى أن وثائقه تعتبر مرجعا مهما لدراسة تاريخ الخليج العربي لأنها تتحدث عن الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في منطقة الخليج التي زاد اهتمام العثمانيين بها منذ أن دخلوا العراق عام 1534 وأوقفوا التدخل البرتغالي في شؤون الخليج بناء على طلب حكام بعض المناطق فيه.

واستطاع هذا الأرشيف خلال فترات ثلاث جمع الكثير من الوثائق والصور والمراسلات التي تناولت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المنطقة بجانب العلاقات البريطانية العثمانية.

وثائق القلعة

ففي الفترة الأولى فترة إنشاء الأرشيف العثماني في المركز عام 1972 وخلال ثلاثة أعوام حصل من دار الوثائق القومية في القاهرة على سبعة أفلام "ميكروفيلم " لمجموعة من صور وثائق حملات محمد علي باشا والي مصر ونشاطه في شبه الجزيرة العربية خلال الفترة الزمنية التي امتدت بين عامي 1807 و1842.

وتعرف هذه المجموعة باسم " وثائق القلعة" لأنها محفوظة في قلعة محمد علي باشا في القاهرة وتحتوي على الفرمانات "الأوامر" الّتي أصدرها السلطان العثماني في اسطنبول إلى محمد علي باشا وعلى الرسائل الموجهة إليه من قبل رجال الدولة العثمانية في إسطنبول وعلى مراسلات محمد علي باشا مع القادة الذين عملوا في شبه الجزيرة العربية من جهة ومع المقيم البريطاني هنل وبعض الشيوخ في منطقة الخليج العربي من جهة أخرى.

رسائل عربية

كما تحتوي على رسائل عربية حررها بعض حكام إمارات الخليج العربي وسلطنة عمان آنذاك إضافة الى تقارير مفصلة عن أحوال بعض المناطق في الحجاز ونجد واليمن والخليج العربي.

وتتناول هذه الوثائق بالتفصيل تمدد نفوذ محمد علي باشا إلى مناطق شبه الجزيرة العربية حتى وصول قواته إلى الساحل الشرقي لشبه الجزيرة ومسارعة بريطانيا لتحول دون تنفيذ مخططاته التوسعية في ساحل الخليج العربي وذلك بموجب معاهدة لندن بتاريخ 15يوليو 1840.

وفي الفترة الثانية الممتدة من 1997 حتى عام 2000 تسلم الأرشيف العثماني في المركز من مركز الوثائق التاريخية في البحرين ومن الأرشيف العثماني في إسطنبول مجموعة من الصور لوثائق عثمانية. وتتناول هذه الوثائق الأوضاع السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والعسكريّة والإداريّة والاتصالات والمواصلات في جهات مختلفة من العراق ونجد والحجاز واليمن والكويت وقطر والبحرين وإمارات الساحل المتصالح وعُمان ومسقط وعلاقاتها مع بريطانيا.

كما تتحدث أيضا عن الخلافات السياسية بين الدولتين العثمانية والبريطانية، وذلك في الفترة من 1879 إلى 1917م، ولم تغفل الحديث عن الحج والحجاج القادمين من مختلف بقاع الأرض والعقبات التي واجهتهم والتسهيلات التي تقدم لهم.

 

بالانجليزية والفرنسية

جاءت معظم الوثائق العثمانية المحفوظة في المركز مكتوبة باللغة العثمانية " التركية القديمة "، وجاء بعضها باللغة العربية وتوجد كذلك وثائق مكتوبة باللغة الإنجليزية وأخرى باللغة الفرنسية، وقد ترجم القسم الأكبر من الوثائق إلى اللغة العربية وما زال العمل مستمرا في ترجمة الجزء الباقي.

ولا يدخر المركز جهدا في الحفاظ على الوثائق القديمة إذ يهيئ لها البيئة المناسبة لتعيش عمرا أطول عبر الأرشفة الإلكترونية فحول كثيرا من مقتنيات أرشيفاته من الوثائق التاريخية الهامة إلى صور رقمية من أجل تسهيل إتاحتها والوصول إليها واسترجاعها وتخزينها بما يتيح للمركز توفير مساحة التخزين وإنشاء نسخ احتياطية لحفظها على المدى الطويل.

ويقوم المركز بهذه الجهود تنفيذا لرؤية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان التي تؤكد أن حفظ الوثائق للأجيال القادمة هو أحد المظاهر المهمة لسيادة وتطور الدولة وأن النهوض بالأرشيف سبيل إلى الحفاظ على تراثها و تكريس لمفهوم دولة المؤسسات، وتعزيز للانتماء الوطني واستنهاض للقيم الوطنية وبثها في نفوس الأجيال الجديدة باعتبار أن الأرشيف ذاكرة الوطن وسجله التاريخي.