يشكل استقراء تجارب الماضي، البعيدة والقريبة، التي عاشها الفلاسفة العرب والمسلمون، عاملا مساعدا لاستشراف صورة الفيلسوف العربي القادمة في ظل المتغيرات الجذرية التي تحدث في العالم .

هذا ما أكده الناقد الدكتور رسول محمد رسول خلال محاضرته "صورة الفيلسوف العربي في القرن 21" التي ألقاها ،مساء أول من أمس، في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي. واشار المحاضر الى ان صورة الفيلسوف المأمولة، مشوشة وقاتمة، "لكن نضال العقل الفلسفي سيبقى يقاوم".

بين اليوم والأمس

بعد أن شرح رسول أصل تسمية الفلسفة، وهي حب الحكمة، قارن بين فيلسوف الأمس، وفيلسوف اليوم، وقال: "انحسرت الفلسفة في العصر الوسيط بالعالم الغربي، لكنها تألقت في العالم الإسلامي منذ القرن الثاني حتى السادس الهجري".

واستعرض رسول الذين اهتموا بالفلسفة مثل جابر بن حيان الكوفي، الذي وضع أول معجم فلسفي في تاريخ الثقافة الفلسفية بالعالم بعنوان "الحدود"، ويعقوب بن اسحق الكندي الذي وضع معجما فلسفيا هو الثاني من نوعه في تاريخ الفلسفة العالمية.

والفارابي الذي يعد أنموذجا لصورة الفيلسوف الشامل، موضحا أن هؤلاء الفلاسفة العرب والمسلمون كانوا يتحركون ويفكرون بحرية عقلية جعلت من خطابهم الفلسفي متألقا في إنتاجه، إلا أن الفلاسفة تعرضوا في نهاية القرن الرابع الهجري إلى الطمس والتشكيك والتهميش، والتكفير والتبديع.

الفيلسوف العربي الحديث

قال رسول: "في العصر الحديث، صار الفيلسوف "المركز المجدد" لمنظومات المعارف العصرية، وإماما للمشهد الفكري في عصره لأكثر من أربعمئة عام"،مشيرا إلى أن هيمنة العقل الصناعي والتكنولوجي لا تنطلق من رؤية عدمية مطلقة قوامها التكفير والإقصاء على طريقة الغزالي .

وأضاف: "بقي من يدافع عن الحق في الفلسفة مثل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي قال إن الديمقراطية والدولة هما اللتان تؤمِّنان الشروط التقنية والمهنية والمؤسَّسية والتربوية للحق في الفلسفة من دون أن تكون الفلسفة مذعنة لهذه الدولة أو تلك".

وأوضح متحدثا عن العالمين العربي والإسلامي، بأن الحق بالفلسفة ما زال موضع شبهة وشك منذ بداية عصر النّهضة العربي، وفي هذا السياق، مضت جهود الفلاسفة العرب العاملين خلال القرن العشرين وفق أربعة مسارات تنويرية، وهي: تحقيق ونشر النصوص الفلسفية العربية والإسلامية القديمة، وترجمة عيون الفكر الفلسفي الغربي، والعمل على تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي والجامعي، ومحاولة بناء مشروعات فلسفية عربية متأثرة بالاتجاهات الفلسفية المعروفة عالميا.

مثل "التوماوية" لدى كل من يوسف كرم، وأنطوان سعادة، وظهرت الماركسية لدى الفيلسوف حسين مروة، وطيب تيزيني.

الدولة والفلسفة

قال رسول: "ازدهرت الفلسفة العربية في القرن العشرين مستفيدة من دعم الدولة الوطنية للتعليم الحديث. ومن شيوع الاتجاهات اليسارية والقومية.

وعن فيلسوف القرن الـ 21، أكد أن الفيلسوف العربي المعاصر لا يملك سوى رأسماله المعرفي، وأضاف: "بالمقارنة أصبح لدعاة العقل الإقصائي جيوشا مسلحة، ومؤسسات ميدانية، وقنوات إعلامية".

 

انحسار العقل

قال رسول محمد رسول: في ظل ما يسمى بـ "الربيع العربي"، استبدلت بعض الأنظمة العربية التقليدية بأنظمة ستشترك فيها بعض الحركات الإسلاموية الساعية للتحكم بالسلطة التنفيذية في بلدانها بحسب خطاباتها الأيديولوجية الإقصائية. ولا غرابة أن يظهر "فيلسوف الطائفة" أو "فيلسوف الإقليم" لينحصر عمل العقل الفلسفي.