درجت الأمم المتحضرة، على انتهاج ركائز نظم أرشفة وتأريخ، علمية، في شتى الحقول، تكفل حفظ تاريخها.. وتضمن حقوق الملكية الفكرية لأي مبدع، على قيد الحياة أو متوفيا، من خلال ببلوغرافيا وطنية شاملة متخصصة، تعدها وتفردها لأدبائها وعلمائها وتشكيلييها، بهدف حصر وتصنيف أعمالهم، والاستفادة منها، وكذا صونها كمفردة رئيسية في مكون الذاكرة المجتمعية.
إلا أن الأمر في مصر لا يزال محكوماً بمزاجية ورؤى الجهات، وبعيداً عن طابع المأسسة، ما جعل المكون التراثي، مهدداً بالضياع، فكلما مر الوقت، ازداد خطر اتساع حلقة فقدان مضامين الذاكرة التاريخية والفكرية الجمعية.
يشبه تأثير ممارسات السرقة والحرق والتزييف، في حق أي من الاعمال الإبداعية،ما تؤدي إليه وتفرزه عمليات النحت والتعرية التي تقوم بها عوامل الطبيعة على الصخور والموجودات. هكذا ينظر إلى حقيقة التعدي والجور والاهمال، بشأن أي منتج إبداعي، أو أي أديب أو عالم أو فنان.
وبذا فإنه، ومع غياب الببلوغرافيا، غدت تمثل كل عملية فقد أو سرقة أو حرق أو تزييف، ضياعا حقيقيا جذريا، لجزء من ذاكرة الأمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعرضت فيلا التشكيلي المصري الراحل يوسف كامل، بمنطقة المطرية للنهب وسرقة لوحات فنية يصل عددها إلى 150 لوحة، وبهذا الحادث، فقدت مصر لوحات لواحد من أهم أقطاب الجيل الأول من الفنانين المصريين، ،ولعل المضحك المبكي في القصة،أن ورثة كامل لا يملكون أي توثيق لهذه الأعمال.
لا نهاية منظورة
حادث السرقة السابق لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، بالنسبة لكـبار الفنانين التشكيليين، والعـلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والمسرحيين. فـ"لا أحد منهم في مصر، يصان تراثه، إلا من رحم الله". هذا ما يقوله الشاعر شـعبان يـوسف، أـحد المثقفين المهـتمين بعمليات التوثيق عبر إعداد ببلوغرافيا جادة ودقيقة لأعمالهم.
ويضيف : "الببلوغرافيا هي عبارة عن رصد لتاريخ الكتاب والمثقفين والفنانين والزعماء والعلماء، وثمة مراكز لإعداد الببلوغرافيا".
دمار كامل
"دمار كامل".. هكذا يصف يوسف حال توثيق التراث في مصر، مستعرضا بعض المحاولات الفردية والمتفرقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كالمبادرة التي تبنتها الجامعة الأميركية في القاهرة، والتي تولاها الدكتور حمدي السكوت، أستاذ الأدب الذي أشرف على إعداد مجموعة من الببلوغرافيات للراحلين توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، طه حسين.ويتحدث عن هذه الحيثية: " ماعدا الأسماء الكبيرة السالف ذكرها وآخرين قليلين، لا يوجد أحد أعدت ببلوغرافيا بشأنه، .
وبذا نجد أننا نفتقر إلى ببلوغرافيات كاملة ووافية حول جميع مبدعينا. وأحياناً يبادر بعض الأشخاص، وفي مرات بعض المجلات، لإنجاز ببلوغرافيا ما، لكن حتى هذا الدور الذي كانت مجلات وصحف متعددة، تقوم به، منها:"أدب ونقد" و"القاهرة"، توقف منذ فترة طويلة، ،إنها مأساة في الحقيقة.
فمن يصدق، مثلاً،أن شاعرا كبيرا كبيرم التونسي ليس هناك ببلوجرافيا تحصر أعماله" ويتابع : "ليس هذا وحسب، فثمة كتّاب لا يمكن التعرف على تراثهم بالكامل، ومن بينهم: حافظ نجيب، الذي كتب رواية مسلسل" فارس بلا جواد"، كما سبق للكاتب الصحافي يوسف الشريف، أن قدم كتابا بعنوان " ظرفاء العصر"، ذكر فيه دور حافظ نجيب والأثر الكبير الذي تركه في الأدب، لكن، وإذا أردنا البحث عن هذا الرجل اليوم، سنجد أن رواياته غير موجودة في دار الكتب أو غيرها، وتلك الحال لا تنطبق عليه وحده، فثمة كتاب آخرون، مثل فرح أنطون ونيكولا حداد وسلامة موسى وأحمد لطفي السيد،لا توجد ببلوغرافيا خاصة بهم".
واقع مفجع
يحكي يوسف، عن أبعاد هذا الإهمال، وأفق مخاطره الآنية والمستقبلية: "الخطر الذي يمثله غياب الببلوغرافيا لا يتوقف على أعمال ناقصة أو مسروقة أو حتى ضعف في الحصر، بل يتعلق بأجيال جديدة ستعاني أو تضيع إذا ما أرادت التعرف إلى تاريخها الفني والأدبي والعلمي". ويستطرد:"الجهات المنوط بها إعداد الببلوغرافيا في مصر، ليست كثيرة، وتحديدًا هي محصورة في الهيئة القومية للوثائق والمكتبات، لكنها للأسف خالية من أي وحدة تحت اسم الببلوغرافيا".
حلول جذرية
يؤكد نقاد ومتخصصون، تفاؤلهم بإيجاد حل لمعضلة غياب الببلوغرافيا المصرية. ويلمحون إلى أنه إذا كانت تلك القضية بمثابة أزمة كبرى، فثمة احتمالات لإمكانية تجاوزها في حال وجد حل للسبب الرئيسي فيها، المتمثل في رأيهم، بأزمة التمويل وقصور الاهتمام من قبل وزارة الثقافة والهيئات المعنية.
«تراث للبيع»
ترى مجموعة من الأدباء، ان أبعاد عدم توافر ببلوغرافيا شاملة، مهولة، كونها باتت تخلف نتائج كارثية في ساحة المكون الفكري والتراثي المجتمعي. إذ لعل أبرز مثال على ذلك، كما يوضحون، العدد الكبير من المجلات في القرن الـ19، والتي لم تعد موجودة تماماً، فأكثرها بيع. وكذلك بيع من قبلها، تراث السينما المصرية، إلى جهات عربية محددة.

