يأخذ الفنان التشكيلي إبراهيم مصطفى الأستاذ، الذي يعتبر من الرواد الأوائل في الإمارات، الزائر في رحلة تاريخية بصرية من خلال معرضه «من وحي التراث»، الذي افتتحه أول أمس، معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، في مقر ندوة الثقافة والعلوم بمنطقة الممزر، بحضور كوكبة من المسؤولين في الندوة، والمعنيين بالشأن الثقافي والفني.
يختار الزائر أن تبدأ جولته التي تحمل غذاء للروح والفكر، ويمكن اعتبارها بمثابة محطة لاستعادة حيويته بعد عناء يوم طويل من العمل، من قسم اللوحات الحافلة بالألوان المائية التي تنعش النفس، وتشكل تقريباً نصف مجموع اللوحات البالغ عددها 55.
تاريخ وبيئة
يتعرف الزائر إلى جماليات بيئة الإمارات براً وبحراً في زمن الستينيات من القرن العشرين، حيث كانت «العبرة» إحدى وسائل المواصلات الحيوية بين بر دبي وديرة، وحياة الصيادين وأزيائهم والبحر وقوارب الصيد وسفن البوم، وجماليات العمارة القديمة، سواء في منطقة حي الفهيدي بتفاصيلها الدقيقة، أو تلك الممتدة على رأس الخور، والتي لا يزال البعض منها قائماً حتى يومنا هذا. وينتقل إلى سفن الصحراء، حيث تحمل الجمال السكان وبضائعهم عبر صحراء مترامية الأطراف إلى قلعة «الجاهلي»، وغيرها من الأمكنة التي باتت تشكل معلماً تاريخياً أثرياً.
سكون لازوردي
ولا يملك الزائر خلال جولته إلا التمعن في تفاصيل كل لوحة، وجماليات اللون والتفاصيل الدقيقة لملامح الوجوه وحركتهم، ومن سحر البحر والأفق والعبرات المتراصة بخشبها المعتق المشبع بعبق البيئة، والركاب في داخلها بانتظار التجديف بهم، بينما يستغرق في اللمسات الفنية التي أضافها الأستاذ على كل لوحة بالأقلام المائية لإبراز تفاصيل أخرى، كملامح الوجه، وإضفاء تناغم جديد على إيقاع اللوحة. وتتملكه الدهشة أمام لوحة البوم التي يقف الزمن عندها لتنقله إلى حالة من السكون، مع صفاء الألوان والدقة المتناهية في رسم تفاصيل المركب وخامته والبحر اللازوردي الشفيف.
أمام اللوحة الأقرب إلى نفس الأستاذ، التي يصور فيها مشهداً بانورامياً للعبرات بين بر دبي وديرة، قال الفنان: «كانت أمنيتي منذ زمن طويل، رسم العبرات التي تشغل حيزاً من الحنين في ذاكرتنا. جمعت العديد من الصور الأرشيفية لتلك المنطقة، لأبدأ بعد ذلك برسم لوحتي وتحقيق أمنيتي. ومعرضي هذا يشكل جزءاً من اللوحات التي تمثل شغفي بالفن وببلدي، وآمل بعد هذا المعرض أن أرسم المزيد من اللوحات التي لدي الكثير من التصورات عنها».
ينتقل الزائر بعد ذلك إلى اللوحات التي رسمها الفنان بالرصاص والفحم، ليعيش في أجواء ملحمية بين رموز الدولة والصقور بما تحمله من كبرياء واعتزاز، ومن ثم إلى قوافل الجمال التي تعبر الصحراء، ليتتبع ببصره وقع آثار حوافرها على الرمال والزمن، والبيوت المبنية من العريش والطين، ويدهش من مهارة الرسم، ورشاقة الخطوط، وتباين الخامات في الرسم، بين خامة القش والطين ووبر الجمل، لتبدو له كل لوحة حافلة بالألوان المتخيلة، والتي لا يمل من النظر إليها.
انطباع المر
كتب محمد أحمد المر في مقدمة كتيب المعرض انطباعه: «طيلة العقود الزمنية الماضية، أبدعت مخيلة الأستاذ مجموعة من الأعمال الفنية التي رسمها بصبر ودأب، بعيداً عن أضواء المعارض والصالات والمهرجانات الفنية. وهو يقوم الآن بتقديم نتاجه الفني للمتابعين لمسيرة الفن التشكيلي في الإمارات، كنموذج خاص ومميز لموهبة هادئة، لها لمسات فنية خاصة».
سيرة الأستاذ
إبراهيم مصطفى الأستاذ من مواليد دبي، وتخرج في جامعة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1979. وعمل رئيساً لقسم الفنون التشكيلية والمعارض بالهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة. وفاز بتصميم طابع بريدي في مسابقة الإصدار التذكاري للعيد الوطني الحادي عشر لدولة الإمارات عام 1982.
ويحسب له توثيق تاريخ الحركة التشكيلية في الإمارات، ضمن دليل للفنون التشكيلية والصناعات الشعبية لدولة مجلس التعاون عام 1985، إلى جانب حصوله على العديد من الجوائز والميداليات وشهادات التقدير. ويعتبر من مؤسسي جمعية الإمارات للفنون التشكيلي، مع مشاركته في العديد من المعارض من عام 1975 وحتى عام 2005.

