سحر الجمال لم يتوقف عند حدود دخولها إلى مضمار السباقات الأصيلة، ولم يكتف بمفهوم رعاية (الحلال) المعروفة عند البدو نسبة لعلاقتهم التاريخية مع (البوش)، بل امتد إلى الاحتفاء بجماهيرية عشاقه ومتذوقي النظر إلى أفضل سلالاته في عالم الهجن والرياضة عبر إنشاء قرية تراثية نظمها مكتب المناطق البرية لإدارة قطاع رقابة البيئة والصحة والسلامة التابع لبلدية دبي، بالتعاون مع نادي سباقات الهجن، تزامناً مع مهرجان المرموم الختامي للهجن في دبي، بين 17 إلى 28 فبراير الحالي، إيماناً بأهمية جاهزية صحراء دبي في تنظيم ورعاية أوجه الترفيه المحلي التراثي، وتعزيزاً لأواصر الثقافة والإرث الإماراتي والخليجي بتوفير أشكال الخدمات النوعية لأصحاب الجمال من أهل المنطقة والزوار، إضافة إلى دورها في إنعاش سوق الأبل، وتأسيس مبادرات تثري منطقة المرموم.

 تواجد في الحدث التراثي نحو 150 مشاركة للأسر المنتجة، ومطابخ شعبية متكاملة ومقاه جوالة، محققاً رؤية الموقع في كونه مقصدا سياحيا متكاملاً.

جماليات

ما تراه العين في الواقع، مختلف تماماً عن مشاهدته عبر وسيط مثل التلفاز، فالخطاب المباشر والجلوس وسط (الشّياب) والشباب، يضفي للحديث رونقاً آخر، خاصةً وأن الحدث في القرية التراثية التابعة لمهرجان المرموم الختامي للهجن، يُعرفك بالرعيل الأول عن قرب، وتحديداً النساء البدويات وهن يقدمن منتجاتهن المحلية مرحبات، ليس بهدف البيع كغاية،

معانٍ أصيلة

ولكن لإيصال معاني القرب والكرم والنبل، الذي لا يزال يقبع في تلك العفوية الفطرية الجميلة. يقدم الوصف عادةً دلالات واقعية، لما تقدمه الجهات المعنية مثل بلدية دبي، وقال حول ذلك راشد المقعودي رئيس مكتب المناطق البرية بإدارة قطاع رقابة البيئة والصحة والسلامة، ورئيس اللجنة المنظمة للمهرجان: "في المنطقة ما يقارب 300 عزبة، منها لأهل المنطقة وبعضها للزوار من المشاركين في مهرجان المرموم،

بعد جمالي

وبالنظر للبعد الجمالي للحدث، يعد قيام القرية التراثية جزءا حيّويا لخدمتهم، وإضفاء روح من الترفيه المنظم، فقد شهدت المنطقة في مناسبات سباقات الهجن مسبقاً، تجمعاً نوعياً للباعة المتجولين، وزيارات للسكان المحليين من الإمارات الشمالية والغربية والخليجيين، والسياح من مختلف مناطق العالم، وجميعهم لاقوا مشكلات بسيطة في الازدحام، أما الباعة وجدوا صعوبة في الحصول على أماكن جيدة لعرض منتجاتهم البسيطة المتضمنة للعسل الطبيعي والخشب وتجار الجمال أيضاً، والملتقى التراثي ساهم في تحديد مسارات الاحتفال السنوي والبعد عن العشوائية بين الجماهير والمستفيدين من الحدث تجارياً".

سوق جديد

تجوال سريع في المنطقة الخارجية من القرية التراثية، التي تم تجهيزها في 5 أيام قبل انطلاق الحدث، قام بها لنا المقعودي عبر سيارته ذات الدفع الرباعي، رافقنا فيها محمد عبدالله بن دلموك، المشرف على القرية التراثية، مبيناً أن الدعايات الرسمية للحدث لا تزال تحتاج إلى المزيد من التعريف بنشاط المنطقة التراثي، كاشفاً عن اعتماد سوق متكامل لخدمة عزب مربي الجمال في منطقة مرموم سيتم إنشاؤها قريباً، متضمنةً الاحتياجات الخدمية الأساسية من المطابخ الشعبية الرصينة، إلى جانب الصيدليات المخصصة،

دور موازٍ

وسيعمل السوق توازياً مع سوق الجمال الموجود حالياً، دون أن يضر تجارياً بأصحاب المحال هناك، هادفاً إلى تقديم مبادرة احتفاء تراثي بالمنطقة بمواصفات خدمية عالمية. توجهنا عبر سيارة المقعودي إلى المكان المخصص لبعض الباعة في سيارتهم، ألتقطنا مشهد المقهى الجوال، إلى جانب صور حيّه من المرتفعات للمنطقة بالكامل، شكل الأخير لمسة تاريخية وثقت ربوع المنطقة ومدى ارتباط أهل الصحراء بها.

الموروث الأصيل

القرية التراثية محملة بملايين التفاصيل، بإيجاز تستطيع عبر زيارة ميدانية اختزال الفعل الثقافي لتقاليد بدو الإمارات، فالفكرة هنا تجاوزت الرياضة وعشق ركوب الرمال، ووصلت إلى مناحي الحياة اليومية لأهل صحراء المرموم، ووسط أبرز العزب الخارجية المرتبطة بالقرية التراثية، اقتحمنا الدخان مشياً، وإذا بأم عبدالله تستقبلنا مرحبة، قائلةً:"يعلني أفداكم، يا مرحبا بهلي وناسي، أتفضلوا وأتنقوا الذبايح، وما بينا وبينكم حساب".

مطبخ أم عبدالله، شعبي الطابع، ويحمل في جعبته تاريخاً إنسانياً لأكلات البدو بنكهاتها الأصيلة، لم تتوقف الطلبات، منذ أن استقبلتنا أم عبدالله متحدثةً عن مشاركتها:"لأول مره أتواجد في المرموم، كما تعلمون فإن الطبخ الأصيل مهنة درسناها من حياة أمهاتنا وآبائنا، الاحتفالية هي فرحتي بالناس، وحضوري ليس تجارياً، ولكن تجسيداً لدور المرأة الإماراتية في تقديم تراثها وتاريخها، ومن هنا أتوجه للنساء جميعاً مطالبةً بخروجهن بإبداعاتهن تكريماً لهذا الوطن ولحكامه الذين رعونا بأعينهم، صدقوني فإن تواجدنا اليوم واجهة لتراث بلدنا، ودورنا الفعلي هو الحفاظ على الموروث".

عطور الصحراء

في داخل القرية التراثية استمر التجوال، ومن أجمل ما يصادفك الحديث المباشر مع المشاركين من الأسر المنتجة، يقدمون لك الحليب والشاي والقهوة المحلية، دونما استحياء، معتبرين أنه واجب إنساني قبل أن يكون تقليدا أو عرفا، لا ينزعجون من التقاط الإعلام للصور لمنتجاتهم الحرفية، بل يوجهونهم إليها ومنهم أم مسعود المتخصصة في بيع العطور،

معلقةً أن مشاركتها جاءت نتاج تشجيع مستمر من صديقاتها، وحثها على إبراز عشقها لخلط العطور للأشخاص، وقالت حول ذلك: " في كل مرة ألقي فيها التحية على النساء، يسألونني عن رائحة العطر التي استخدمها، أسعد بذلك، كي أؤكد لهم أنه من صنع يدي، إلى أن قررت استثمارها في تجارة صغيرة"، مضيفةً أن حدث سباق الهجن منظومة تراثية يعيد بحثها الدائم في الموروث الاجتماعي المحلي.

تسهيلات

قدم مكتب المناطق البرية لإدارة قطاع رقابة البيئة والصحة والسلامة التابع لبلدية دبي، بالتعاون مع نادي دبي لسباقات الهجن، حدث القرية التراثية بمقاييس احتفالية خدمية، بإتاحة فرص تجارية لمساحات مجانية، دونما طلب رسوم لتأجير الموقع، معززةً الموقع بأهازيج لفرق شعبية معروفة تستمر حتى العاشرة مساء، طوال أيام مهرجان المرموم الختامي للهجن، فاتحةً أبوابها لجميع فئات المجتمع من معنيين في تربية الأبل وجمهور عاشق لهذا التراث، ومهتمين به، لزيارة المكان والاستفادة من خدماته.