تخلت الشابة ميراي مرهج عن عملها الناجح مصممة ديكور، عندما دهم المرض والدها، فكرست نفسها لرعايته حتى وفاته عام 2009. ولم تستطع بعدها انتزاع نفسها من حالة الحزن التي دفعتها إلى الانكفاء على ذاتها إلى أن وجدت نفسها، في أحد الأيام، تستعيد ذكرياتها السعيدة بصحبة والدها من خلال اقتطاع صور من المجلات وجمعها مع بعضها البعض لتشكل ذاكرة للأمكنة التي زارتها برفقة والدها.
قصاصات الذاكرة
وبعد مضي عام، استطاعت شفاء أحزانها عبر أكثر من 10 لوحات فنية ضخمة بالأكريليك، استلهمتها من خلال قصاصات الذاكرة التي جمعتها من المجلات. ولم تكن تدري أن تلك اللوحات تحمل قيمة فنية دفعت القيمة على غاليري «آرت سوا» في دبي إلى دعوتها لإقامة أول معرض فردي لها في دبي، والذي يستمر حتى الرابع من مارس المقبل في مركز دبي المالي العالمي.
تحدي النفس
وتكمن جمالية لوحات ميراي وخصوصية أسلوبها في التحدي الذي وضعته لنفسها، فهي لم تعتمد على فن الكولاج في تقديم لوحاتها، فقد كانت بحاجة للاستغراق في كل لوحة لأطول زمن ممكن، حيث تعيش من خلال إنجاز اللوحة في ذكريات سعيدة، هذا التحدي دفعها إلى رسم تصورها الذي جمعته في الكولاج، بالريشة والألوان، لتكتسب اللوحة بعداً أعمق في التفاعل مع المشاهد.
كما عكس هذا التحدي مهاراتها الفنية، حيث تبدو لوحاتها للوهلة الأولى كأنها كولاج، لكن ما إن يقترب المشاهد قليلاً من اللوحة حتى يدرك قدراتها الإبداعية في محاكاة الكولاج والانطلاق إلى واقعية جديدة من مخزون الذاكرة.
رسم الذاكرة
تعكس لوحاتها مراحل متعددة من محنتها، فهي تارة في صخب الحياة بنيويورك أو باريس، وتارة أخرى في عمق ظلال العالم الرمادية الذي تكتنفه مشاعر الخوف والحذر من عتمة المجهول، لتنتقل إلى تناقضات العالم، ومنها إلى محطة التأمل والتفكر في لوحة البورتريه.
العين الثالثة
ويتجلى في تلك اللوحة إبداعها على صعيد المضمون والأسلوب، فصورة الوجه المرسوم بالألوان وعبر خطوط صريحة ممزقة عن العينين، لتكشف عن صورة أخرى بالأبيض والأسود، والتي تبرز العين «الثالثة» أو العين الداخلية، المسؤولة كما يعرفها البعض عن رؤية ما لا تراه العين المجردة، أي بوابة للواقعية الداخلية التي تتطلب ارتقاء عالياً بالوعي. كما ترمز هذه العين إلى مرحلة التنوير والحكمة والتبصر.
انطباع الرّواس
كما قدم الفنان اللبناني العالمي محمد الرّواس (1951) قراءة نقدية خطية في أسلوبها ومنها هذا المقتطف: «مشاهدة أعمال ميراي من بعد، تعيد إلى الذاكرة أسماء كبار الفنانين في فن الكولاج ورسومات الشوارع مثل جاك دي لا فيليغل، وميمو روتيلا وريموند هينز. أما النظر إليها عن قرب فيأخذنا إلى فن واقعية الصورة التي ترتبط في ذاكرتي باسم الفنان مالكولم مورلي، الذي يرسم لوحاته بأسلوب الصورة الواقعية والذي اشتهر في منتصف الستينات».
سيرة ميراي
حصلت ميراي مرهج، التي ولدت في بيروت عام 1972، على البكالوريوس في الفنون الجميلة لتتابع دراستها في باريس وتحصل على شهادة الماجستير في فن رسومات الديكور. وعملت منذ عام 2000 مع أشهر مهندسي الديكور الداخلي. سبق وشاركت ميراي في العديد من المعارض الجماعية في بيروت.
