لوحة كاريكاتير واحدة تكفي للكشف عن أضرار بطء عملية تسويق المنتج الثقافي.. لوحة كاريكاتير واحدة تكفي لشرح إشكاليات الموسيقى السريعة وتجارية الذوق العام، بل ولها القدرة على إقالة مسؤول تأخر في تعزيز الإبداع الفني، أو تفنيد طرح درامي يعاني من ركاكة النص وهشاشة الصورة، لذلك فإن صناعة الكاريكاتير، بالعودة إلى تاريخه، تعتبر فناً ثورياً تأسف الصحافة الثقافية على تغريدها خارج سربها، وانتعاشها بالمقابل في أروقة السياسة، فهي تمثل جماليات ساخرة تملك سلطة النقد، ولكنها لا تُنتقد والسبب.

كما أوضح الرسام جمعة فرحات عن موقع بيت الكرتون العربي، يعود إلى أن الكاريكاتير فن مرتبط بذاتية الإنسان ولكل رسام أسلوبه الخاص الذي يميزه عن مختلف الرسامين، وبدوره يحرم الناقد الفني من رصده وتتبعه طارحاً معه سؤال: هل من المعقول أن ينتقد أسلوباً تميز به الرسام، ولا يريد أن يغيره؟ وفي الجهة المقابلة، لا يزال النبش في توجهات الرسامين الكاريكاتيريين وبعدهم عن القضية الثقافية، لمساندة الصحافة الاجتماعية،حاجة لا ترفاً فنياً، لما تحمله اللغة البصرية من شرارة مباشرة وقدرة فعلية على التغير للأفضل.

عبقرية

يصنف الكاريكاتير دائما بأنه فن عبقري، وبالرجوع لتعريفه فهو: رسم ساخر لصورة مبالغ في إظهار وتحريف ملامحها الاعتيادية، ضمن خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي والسياسي، ويرجح أنها الأقدر على تقديم وجبة نقدية شبه موضوعية تفوق المقالات والتقارير الصحافية في أغلب الأحيان. والمعروف أن أصل كلمة الكاريكاتير إيطالية وتعني المبالغة.

وبالنظر إلى أنه فن لا يُنتقد، أكد الرسام الكاريكاتيري عامر الزعبي أنه يخالفنا الرأي، مبيناً أنه يتلقى يومياً عبر المراسلة البريدية العديد من المتابعين بين مؤيد ومنتقد للطرح قائلاً: "على العكس، هناك من يتواصل معي يومياً لمناقشة خطوط رسوماتي وألوانها، وأنا شخصياً أحتاج إلى النقد، للبحث في أفكار متجددة، وتفاصيل نوعية، وإذا كان المقصود النقد العلمي فهو يظل نتاج منظومة متكاملة تبدأ من المؤسسات الأكاديمية العربية التي لم تفعل حضور المجال بشكل منهجي".

مضيفاً أنه أقدم على تجارب لرسومات ذات طرح ثقافي، في مرات سابقة، إلا أنه لم يلق ذاته فيها مقارنة بالطرح السياسي، منوهاً أنه بمجرد أن تصلح السياسة وتستقيم في الوطن العربي، سيكون للمنهجية الثقافية والفنية أفق ومرادفات موازية لإيماننا بارتباط الفعل السياسي بمعترك الحياة الاجتماعية ككل.

قراء الكاريكاتير

توجيه الكاريكاتير نحو الثقافة والفن مبادرة نسبية في معدلات نجاحها عربياً، وبالرجوع إلى الأرقام والإحصائيات أخيراً، فإن الثورات العربية على وجه الخصوص أفرزت رسامين شباباً أكدوا أن فعل السياسة سيظل يحوم حول هذا الفن واستنزافه نحو البحث في مستقبل البلدان العربية، حيث يقول الرسام الكاريكاتيري عامر الزعبي :"ظل المثقفون ولفترات طويلة يقاتلون بالكلمة في سبيل القيمة الإنسانية للحياة الكريمة، دون نقلة فعلية، وبالنظر لجهود الرسامين فإنهم الأقدر على تحريك الدفة، والأكثر استهدافاً بحسب القضية المطروحة من قبلهم".

 

 

تجربة

 

 

 

في سياق تحليل فن الكاريكاتير وقدرة القارئ على ادراك رسالته وتوجهاته ومدى إشكالية الفهم الخاطئ للمقصود منه، خاصةً أن قراء الصحف من مستويات وشرائح مختلفة، لفت عامر الزعبي إلى أن ما يهمّه ،بداية، النخبة من القراء، ومن يتحملون عناء البحث عن هذا الفن ومتابعته، كونهم الأقدر على فهمه وهضم معانيه وتفعيله مجتمعياً، ليأتي ثانياً أسلوب الرسام وإضافته للجمل التوضيحية عبر الكلمة لإيصال رسالته للقارئ العادي الذي لم يلتقط الشيفرات البصرية، قائلاً: "المهم أن تبقى قيمة الرسومات حاضرة في حال تم إزالة الجمل التوضيحية، وأريد التأكيد على أن المسألة متعلقة باللغة البصرية في الكاريكاتير، والخلط بينها وبين الكلمة يشكل أزمة مهنية".

وأوضح الزعبي أن مستويات الحرية الفكرية للرسام تظل مفتاح إبداعه، وطالما العقل مكبل بحدود، وموجه بهاجس الرقيب، فإن الفكر الإبداعي مشروع مصادر، واستثماره يحتاج إلى حس وحساسية عالية للمبدعين لصناعة الاستمرار.