عشرون لوحة للرسام العراقي حسن عبد علوان تلخص رحلة تمتد إلى آلاف السنين عبر شخصيات أسطورية، ناهلا من التراث السومري والآشوري والبابلي، رابطاً بين عالمي الماضي الحاضر، بريشة مبدعة، وكأن لوحات معرضه "أحلام بغدادية"، الذي افتتحه د. محمد عبدالله المطوع، عضو مجلس أمناء مؤسسة العويس الثقافية مساء أول من أمس ليوم واحد، لوحة واحدة متسلسلة في موضوعات متنوعة لا يستخدم فيها سوى خمسة ألوان فقط، يطغى عليها تدرجات اللون البني، الذي يشكل عمود اللوحة الفقري.

ابن الأساطير

هو ابن الناصرية .. ابن أور العظيمة التي ملأت رأسه بالأساطير منذ الطفولة. فبينما يقتصر معرضه على خمسة ألوان، تسبر لوحاته غور الألوان جميعها، إذ ثمة نمط خاص في لوحاته تعبّر عن الوجدان وولعه بالمرأة وما يحيطها من أشياء، تجعل جماليات أعماله وعوالمها الخيالية تترك عبق التاريخ في ذهن مشاهد لوحاته.

 ثمة معادلة تتكرر في جميع لوحاته وهي ثنائية المعمار والجسد (الأنثى والذكر)، ودلالاتهما ورموزهما وأبعادهما التي تتكرر في لوحاته المعروضة، وتضفي نوعاً من الرومانسية، كما تظهر فيها رسومات الأطفال، عبر التعبيرعن البيئة الشعبية العراقية في المنازل البغدادية الشهيرة بالشناشيل الخشبية، تلك الشرفات التي يطل منها الرسام في رؤية شخوصه، وكذلك رؤية شخوصه للعالم.

حكواتي بالألوان

حسن عبد علوان، يحاكي الجمهور، وينثر عليه عوالمه في تقنية فريدة في الفن تتراءى في المسطحات والخلفيات التي تظهر مثل زخارف مختفية في ثنايا اللوحة ولكنها في الوقت ذاته ليست زخارف بالمعنى الحرفي للكلمة.

ولكن هاجس الفنان هو ملء إطار اللوحة بكائناته التي تدور في ذهنه. هذا الحكواتي بالألوان الخمسة يذهب بالمشاهد إلى أبعد ما يمكن في رؤية بصرية، واسعة، ومترامية، وقريبة في آن واحد كما لو أنه يمارس سحر التأثير على ذهن الجمهور.

لوحات بمثابة سفر بين أسطورية الجنوب السومري وبغداد التراث والحارات الشعبية يختزل آلاف السنين في ضربات من فرشاته على قماش اللوحة، فيضع المشاهد أمام لوحة لا مرئية، خيالية، ورؤيوية بأشكال مدهشة.

فقد أسس لنفسه تقنية خاصة كما استحدث مثل فان كوخ وغوغان ومودلياني بصمته الخاصة، وطبع بها لوحاته جميعها، فاستغنى عن التوقيع على لوحاته، لأنه حاضر فيها بأسلوبه المتفرد، ولذلك يقول: "لا أحد يستطيع تقليد رسم لوحاتي".

وهو في هذه الحالة، يضفي نوعاً من رمزية عالية ترتقي بالجمهور إلى التفكير الذهني المجرّد، لأنه يقدم قراءة جديدة للواقع بروح الحداثة والأسطورة عبر شفافي الألوان التي تبعث الابتهاج والفرح عبر مساحات لونية وفراغات ضوئية وخلفيات واسعة، حيث يرسم بالزيت كأنه يرسم بالألوان المائية، وهو الكيميائي الذي يعرف كيف يركبها في هندسة اللوحة.

رموز خالدة

هناك ثيمة تتكرر عبر لوحات المعرض، وهي أنثوية المرأة والرجل، والحصان كرمز للقوة، والسيف والديك، والسمكة، رمز الخصب، والقباب و"الشناشيل" البغدادية، و"مشاحيف" الأهوار، وآلة العود، كلها رموز خالدة ومفردات خرجت من بين أنامل الرسام لتضيف بعداً جديداً لها، وهذه هي مهمة الفن أن يعيد خلق الأشياء ويبعث فينا بهجة التواصل معها من جديد لا أن نمل النظر لها، وهذه هي عبقرية حسن عبد علوان.

 

 

سيرة ذاتية

 

 

 

يعد الفنان حسن عبد علوان المولود عام 1945 من أبرز الفنانين الذين رسموا بأسلوب حداثوي يتميـز بالبساطة عبر الكشف عن الحالة الإنسانية والانفعالية العبقة بالتراث الشرقي بطريقة رومانسية تقارب في مشهديتها عوالم ألف ليلة وليلة.

تخرج من معهد الفنون الجميلة بغداد عام 1965 وهو عضو جماعة الرواد العراقيين والرابطة الدولية للفنون التشكيلية ونقابة الفنانين العراقيين وعضو منظمة اليونيسكو للفن، وشارك في جملة من المعارض العالمية. كما حصل على عدد من الجوائز العربية والعالمية منها جائزة مهرجان بغداد الدولي العالمي للفنون التشكيلية 2002، وميدالية المهرجان الدولي تونس 2000.