علاقة الشاعر بالأيديولوجيا من منظور مصطلح النقد الثقافي كانت محور الجلسة الصباحية من مهرجان الشارقة للشعر العربي، أمس، التي شارك فيها الناقدان د. حمادي صمود الأستاذ بكلية الآداب بجامعة منوبة في تونس والناقد د. رشيد بنحدو الأستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في فاس بالمغرب، وأدارها القاص نواف يونس.
الفلسفة والأدب
تناول د. حمادي صمود محورا نقديا تركز حول هذا المصطلح الذي يكاد يكون غائباً في بلدان المغرب العربي والثقافة الأوروبية إذ لا يوجد هذا المصطلح في اللغة الفرنسية بل في البيئة الأميركية مع أنها اكتشفت أمور الفلسفة والفكر في وقت متأخر، فقد عرفته القارة العجوز منذ قرنين فقط من خلال علوم اللغة والسيميولوجيا.
بينما يبقى هذا المصطلح غامضاً على الرغم من انتقال نظرية التفكيكية من الفلسفة إلى الأدب، حيث كانت جماعة "تيل كيل" الفرنسية رائدة في هذا المجال بعد أن تجرأت على نقد جميع النظريات القديمة، ومن ضمنها نقد المفهوم الديكارتي وتطوير المناهج الجديدة مثل قراءة الفيلسوف الفرنسي التوسر لماركس، الذي طور قراءة الماركسية وجعلها تنفتح على العلوم الأخرى، منتقدا الآلة الأوتوماتكية التي تتحكم بالحياة.
لكن فلسفة التفكيكية التي قادها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، أخافت الأميركيين لأنها لم تقتصر على النصوص بل تعدتها إلى تفكيك المنظومة السياسية بكاملها.
وفي الحقيقة، إن كل ما يقوله الإنسان لا بد أن يقوم على بنى عقائدية وأيديولوجية. وفي هذا المجال، فقد أقام العرب شعرهم على مفارقة بين الغيب والوظيفة، وطرحوا السؤال الجوهري: من أين يأتي الشعر؟
البنى المحتجبة في النصوص الشعرية أو الروائية كانت محور مداخلة رشيد بنحدو، الذي أوضح أن أي قراءة لنص أدبي تحيلنا إلى نصوص أخرى تتعلق بالذاكرة، ولكن القضية تكمن في كيفية تلمّس النص المحتجب، حيث تظهر القراءة التأويلية بوصفها العنصر القادر على ذلك، متسائلا: أهي تناص أم توارد خواطر أم سلخ أم انتحال أم سرقة أدبية؟ فالعرب ابتدعوا تسميات عديدة لهذه الحالة.
وهنا ابتكر الناقد مصطلح "اختلاص" الذي يجمع بين التناص والاختلاس، وفيه درجات تتجسد في التناص أي الانخراط في علاقة تحاور وتفاعل مع النص، و"درجة الصفر"، لأن البنية المحتجبة تشتغل في غيبة عن المبدع.
ويطلق النقاد الأجانب علىيهاالبنيات المقنّعة لأن النص لا ينبثق من فراغ بل من بقايا نصوص مترسبة في لا شعور الشاعر أو الكاتب.
بينما يطلق عليها الناقد الإيطالي أمبرتو ايكو "البنيات الراقدة "، ففي كل نص هناك نصوص متراكمة. وأورد الباحث بنحدو مثالا لهذه الحالة، مقارناً بين قصيدتي "فطور الصباح" للشاعر الفرنسي جاك بريفير التي كتبها عام 1945 وبين قصيدة "مع جريدة" لنزار قباني التي كتبها عام 1956، حيث يظهر أن كل نص يخفي نصاً آخر.
