صدر كتاب الشاعر والكاتب الإماراتي سيف المري "أجراس الحروف" عن مجلة "دبي الثقافية"، في 232 صفحة ليغطي أكثر من 95 مقالة مكثفة، غطت مختلف القضايا التي تلامس الحياة العربية الراهنة. والمقالات هي افتتاحيات لمجلة "دبي الثقافية" حيث تتميز بكونها شاملة تجمع بين القضايا الإماراتية والعربية والإنسانية. وحسناً فعل الكاتب في جمعها بين دفتي كتاب.
يبدأ بـ"الثقافة أولاً" وينتهي بـ "ثروة الابداع"، وما بينهما تتخلل الكتاب تأملات حول اللغة، والإعلام، والحكمة، والشعر والعلم، والتفكير الجمعي، وإعادة كتابة التاريخ، والأقلام المهاجرة، وغربة المبدع، ومشروع الأمة، الغرب والفتنة، وأدوات الثقافة العربية، والتكنولوجيا، وغيرها من المفردات التي تصّب في هموم المثقف العربي ومشاغله الحيوية.
حرب ثقافية
يطرح الكتاب أسئلة جوهرية مثل: ما وجهة الثقافة العربية، وأين هو المثقف العربي، وكيف غيّبت الثقافة العربية؟ ويحاول الإجابة على هذه الأسئلة من خلال طرح عناوين هامة. ويؤكد على أن الحرب بيننا وبين الغرب هي حرب ثقافية، وهو يسعى إلى إلغاء ثقافتنا ومسحها إلا ما يتناسب مع توجهاته. وخطورة صراع الثقافات يكمن في سعي الثقافة المهيمنة كما حصل في استعمار فرنسا لبلدان المغرب العربي الذي أراد أن يمحو اللغة العربية ويضعها طي النسيان. فيما ركز الاستعمار البريطاني على النهب والسلب. ويحذّر الكاتب من تهاوي اللغة العربية والتهديدات التي تواجهها، وخاصة قتل اللغة على يد أبنائها.
عالم متكامل
ويأخذ موضوع التفكير الجمعي حيزاً في الكتاب إذ أصبحت الحاجة إليه ضرورية، لأننا كما يقول الكاتب"عالم متكامل لو قُدر له أن يجتمع في فكر واحد، ورأي واحد، وعزيمة وإرادة واحدة". ويضرب مثالاً على الاتحاد الأوروبي، وتجربة الإمارات. وفي موضوعة "مازلنا مشروع أمة" يؤكد الكاتب على إننا أمة واحدة إلا أننا أمة غير موحدة.
وفي كل ذلك تتحمل الثقافة وزر ما يحدث. ويطرح السؤال تلو السؤال على الثقافة العربية، قائلاً"فهل تستطيع أدوات الثقافة العربية أن تستعيد دورها وتؤدي مهمتها المتعارف عليها في مختلف ثقافات العالم، أم تظل في حالة الغيبوبة التي تعيشها منذ عقود؟".
ويذّكر الكاتب بأحوال النشر في العالم العربي، وما آل إليه. ثم يطرح معاناة الكاتب العربي لو قارناه بالكاتب الغربي، كما في موضوعته "الأدب والذهب"، التي يتحدث فيها انعدام القارئ الذي يمّول الكاتب العربي في الوقت الذي يعيش فيه الكاتب الغربي حياة الثراء من كتاب واحد.
المتلقي السلبي
ويناقش الكاتب الإعلام حيث يرى بأن التلفزيون أزاح جميع وسائل النشر الأخرى من طريقه، وخلق لنا المتلقي السلبي على جميع الأصعدة. ويطرح تصوره لخارطة طريق ثقافية، وافتقارنا لمنهجة الثقافة وجيل أكثر انفتاحاً. ولا يغفل الكاتب طرح القضايا الساخنة الأخرى مثل: القضية الفلسطينية، والرأسمالية والقطب الواحد، الفكر الصهيوني وإلغاء الآخر، وإعادة التاريخ العربي، وجمهوريات الرعب، وقصـة حضارتنا وغيرها من الموضوعات بلغة أدبية رفيعة، ممزوجة بحس فلسفي.
حلول بديلة
ويتميز كتاب"أجراس الحروف" بلغته الصافية، السهلة المنيعة، التي تخاطب وجدان القارئ العربي، وتطرح عليه كل القضايا، في محاولة لإقناعه بالأطروحات التي تتضمنها، من منطلق محاكاة الواقع ومساءلته في آن واحد.
فهو كتاب نقدي بالدرجة الأولى لا محاباة فيه لأحد بل يطرح القضايا ليس من أجل طرحها فقط بل من أجل إيجاد الحلول البديلة لها، وهي متوفرة في الكتاب لو انتبه لها أصحاب القرار في العالم العربي. وهنا يكمن جوهر المقالات النقدية التأملية التي يتضمنها الكتاب، والتي لا يمكن لمقالة واحدة الإلمام بها، لأنها متشعبة وغائرة في الوجدان العربي، وفي صلب ثقافته.
حصار الأسئلة
كل مقالة يمكن أن تصبح كتاباً، يرسم ملامح أزمة الثقافة العربية، وهي حبلى بالأسئلة، "حصار الأسئلة" عندما يتساءل الكاتب"من منا لم تحاصره الأسئلة ذات يوم فاغرة أفواهها كالحيات، ولا إجابة عنده إلا الانتظار". إنها مرارة كاتب يعيش أزمة ثقافته، وهو أحد شهود العيان على ما تؤول إليه هذه الثقافة. فإلى متى ينتظر العالم العربي الذي يزداد سواءً بعد سوء كل يوم، وهو يتخبط في محيط شاسع من الصراعات التي لا جدوى منها؟
يشار إلى أن الشاعر والكاتب سيف المري صدرت له من قبل مجموعة من الأعمال: في الشعر "الأغاريد" 2001 و"العناقيد" 2003 . وفي القصة "رماد مشتعل" 2006 و"بيت العنكبوت" 2010. وتم تكريمه من قبل "مؤسسة الفكر العربي" ومؤسسات ثقافية وفكرية أخرى لدوره الفاعل في المشهد الثقافي العربي.
