في كتابه الصادر مؤخراً عن دار "رياض الريّس للكتب والنشر" في بيروت، والذي حمل عنوان "في خيمة القذّافي"، يتناول الكاتب والصحافي اللبناني غسان شربل شخصية الرئيس الليبي الراحل العقيد معمّر القذافي وتاريخه وسيرته، عبر أحاديث مع مجموعة من عارفيه الذين "يكشفون خفايا عهده"، كما ورد على الغلاف، وهم: عبد السلام جلود الذي كان لفترة طويلة الشخص الثاني في حكم ليبيا، عبد المنعم الهوني، عبد الرحمن شلقم، علي عبد السلام التريكي ونوري المسماري.

صحافة وتاريخ

ورغم أن الكتاب يجمع بين الصحافة والتاريخ، ويكشف عن شغف مؤلّفه بالسياسة والأمن، فإنه ليس مجموعة حوارات صحافية فحسب، ولا هو كتاب توثيق لأربعة عقود من تاريخ ليبيا تحت حكم القذافي، بل شهادات ووقائع يرويها خمسة من قادة الثورة التي أطاحت النظام الملكي الليبي عام 1969 بزعامة معمر القذافي، والذي تحوّل في سنوات إلى الحاكم الأوحد حتى مقتله عام 2011.. وفي المحصلة، تتعدّد قراءة هذا الكتاب. فمن شاء أن يقرأه سياسياً، فهو يجد فيه ضالّته. ومن شاء أن يقرأه تأريخياً وتوثيقياً، فهو يكتشف فيه مادّة مهمة، لا سيما في ما يرتبط بثورة الفاتح من سبتمبر وتفاصيلها العسكرية وكذلك الحقبة التي أحكم المستبدّ قبضته فيها. ومن أراد البحث عن مواصفات القذافي بصفته "ديكتاتوراً" نموذجياً، متفرّداً بملامحه وعاداته و "خصاله" غير الحميدة، فهو يواجه حكايات ووقائع غريبة تفوق التصوّر.

دردشة

وفي حواراته مع الرجال الخمسة، اعتمد شربل أسلوب "الدردشة"، كما يقول، مستنطقاً ومستدرجاً إياهم. وكي تكتمل الصورة أمام القارئ، كرّر بعض الأسئلة على محاوريه، فأجمعوا كلهم على بعض الأمور، وأخفى بعضهم أشياء وصرّح بأمور أخرى، وتكتّم بعضهم، فإذا بالحوارات مجتمعة تكشف ما خبّأه البعض، وإذا بالكتاب يبدو أشبه بمسرحية يتناوب على الكلام فيها خمسة أشخاص، يكشفون سمات خفيّة وغير خفيّة في شخصية الرجل وفي حياته، بما يتيح للقارئ أن يستخلص صورة مركّبة عن رجل، لم يكن طاغية فحسب، بل كان شخصية استعراضية معقّدة.. أما الكاتب، فيقارب الأحداث من دون "تابوات" مسبقة ومن دون هواجس مقلقة، إذ يسأل ويحرّر ويدوّن ويسجّل ويناقش ويحلّل ويقارن المعلومة، ويتجاوز كل ذلك إلى الفضاء الأوسع، وإلى ما يجمع بين "الطغاة" في المنطقة، ويحاول أن يخرق بحذر شديد الثوابت الثقافية والأيديولوجية والسياسية القائمة.

اعترافات

من شخصية إلى أخرى، ومن حوار إلى آخر، يبدو الكتاب أشبه بالاعترافات السياسية القائمة عن أنظمة حكمت باسم "أيديولوجيات" ظلّت قائمة، إذ ترسّخت في اعترافات الخمسة مفاهيم القمع على الصعد كافة.. وبأسلوبه الأدبي الوصفي، يقول شربل في مقدمة الكتاب، والتي رسم فيها صورة نموذجية للقذّافي كما استخلصها بوقائعها وتفاصيلها: لا يلتفت المستبد الى ساعته. شمسه لن تغرب. أوفده التاريخ في مهمة مفتوحة. كلّفه اختراع بلاده. إخراجها من ركامها.

من خوفها المزمن وانتظارها الطويل. كلّفه وأطلق يده. تفويضه من رحم الأمة، لا يحتاج الى استجداء الشرعية من "العملاء" و"العبيد" و"الجرذان" و"الكلاب الضالّة". ويضيف: "كان يستعذب اللعب بالمصائر. يخترع أشخاصاً ويخترع لهم أدواراً. يدفعهم إلى أعلى ثم يخفضهم. يدخلهم السجن ويعيدهم إلى مكاتبهم.

ينظّم أعمارهم على عقارب مزاجه المتقلّب. سيثأر من فقر طفولته ومن استضعاف الآخرين لعائلته المباشرة.

سيحتقر الجميع، وفي ساعة الغضب سيقول للناس: من أنتم؟"

أوامر

 

يصف شربل القذافي بـ"النكبة التاريخية"، مستعيراً بعض ما قيل عن "القائد التاريخي"، فإن الغلاف الأخير للكتاب يلخّص حكم الرجل بـكل الخيوط في يد رجل واحد، والرجل مريض. يهرب الى الصحراء مع خيمته. لا يحبّ توقيع الأوراق. الأوامر شفهية، سواء كانت لإنفاق الملايين أو للقتل. احتقاره لشعبه لا ينفصل عن احتقاره لكل القواعد الدولية والأعراف. يرسل المتفجرات في كل اتجاه. وستنفجر عبواته جواً وبحراً وبراً. وفي بلدان قريبة وبعيدة. كان يبتهج بإضرام النار في الرداء الأميركي. ويكره السوفييت ويشتري منهم الترسانات.