تعد العلاقة بين الهوية والإبداع سؤالاً جدلياً بارزاً منذ عهد الستينات في عالم المسرح العربي، والذي تصدر مجدداً الأوراق البحثية لأعمال ملتقى الشارقة العاشر للمسرح العربي، الذي استهل فعالياته صباح أمس، في قصر الثقافة في الشارقة، بحضور عبدالله العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وأكد خلاله باحثون في مجال المسرح أن العرض الحيّ هو عنصر الهوية الثقافية، باعتبار ما يحدث أثناء العرض يعد سمة جوهرية عامة تميز المسرح، متناولين العديد من المحاور تتصدرها محاولة الإجابة عن سؤال: هل توجد هوية مسرحية عربية مثل المسرح الغربي؟ وتأثير الهوية الثقافية العربية على إنتاج العروض للمسرحيين العرب في الغرب، وكيف يفهم العرب المغتربون ازدواجية ما يحدث في المسرح؟ وشهدت الجلسات الأولى للملتقى عرض ورقتين هما:" مسرحي عربي في الفضاء الثقافي الغربي" للمخرج والكاتب حازم كمال الدين من العراق، و"المسرح والهوية: جدل التبعية والمثاقفة"، للدكتورة ميسون علي من سوريا.

الواقعة المسرحية

شهادة حول تجربته التي استمرت أكثر من 3 عقود في المشهد المسرحي الغربي، قدمها المخرج المسرحي حازم كمال الدين، بإدارة الإعلامي مرعي الحليان، بين فيها عدة تعاريف لمعنى الهوية، منطلقاً برأي شخصي يتبنى فيه فكرة أن العرض الحيّ عنصر جوهري يميّز المسرح عن بقية الفنون، سواء حدث ذلك على خشبة مسرح أو في موقع لا مسرحي "ماديا كان أو افتراضيا"، منوهاً بما يحدث أثناء العرض بتمثيله طاقة للتواصل والتفاعل بين العارض والمتلقي، وهي طاقة تقود إلى تطهير أو متعة أو تعلّم أو تساؤل، وقال في ذلك: "العناصر المسرحية المحيطة بالعارض والمشاهد التي تصبو لتحقيق اللقاء الحيّ تشكّل وسائط غير ثابتة تتغير بناءً على تغيرات الخطاب الاقتصادي الاجتماعي الثقافي فتغدو تارة كلاسيكية وتارة ما بعد حداثية وما بينهما"، مضيفاً أنه لا يود في هذا الصدد، أن يصرف انتباه المتابعين للحراك المسرحي إلى إلغاء العناصر الأخرى في هذه العملية الجماعية، ولكنه يصنفها موضوعيا بوعي يضع فيه دائرة الضوء في الواقعية المسرحية على الممثل والمشاهد مكتفيا بدور وسيط يسميه الخميرة.

الازدواجية

حاجز اللغة والتمثيل بغير لغته الأم، كان مصدر تخوف حازم كمال الدين من عالم المسرح الغربي، لذلك جاء اختياره لمسرح الحركة، منوهاً بأنه في بلجيكا ،على سبيل المثال، ثمة روح عنصرية، وأنه لأجل أن يحصل الشخص على اعترافهم به كممثل لا يهمهم تاريخه الفني، بل ما يستطيع تقديمه لهم كممثل وبالطريقة التي يرون أنها صحيحة ومعاصرة. ليشكل سؤاله في شهادته إجابة للوعي بأهمية استيعاب مرحلة حضور المخرج العربي في المسرح الغربي، وهو ما أسماه باستيعاب الازدواجية في عالم المسرح. وكان السؤال: " كيف أفهم كعربي ذي هوية مزدوجة ما يحدث في المسرح؟"، وأجاب عن هذا السؤال استنادا إلى تجربته بوصفها نموذجا للعمل المسرحي وقال : "سأحكي عن كيفية مقاربتي للمسرح وتستطيعون أن تأخذوا جلّ كلامي باعتباره كلاما ذا هوية مزدوجة: فبالنظر للهوية المتغيرة التي تستجيب لمعطيات العالم الخارجي استجبت شخصيا للدوافع الخارجية دون أن أتنكر لهويتي الأولى ومرجعياتي الثقافية الأصيلة".

وأضاف : "في الأصل أنا ممثل شرقي الأحاسيس والخيال. بيد أنّ حقيقة وجودي في الغرب فرضت عليّ شروطا أهمها أن أتخلّى عن لغتي وعن عفويتي والمساومة على مرجعياتي. وإذ شاهدت كيف تهرب مني اللغة وتضيع العفوية وكيف تتم المساومة على هويتي الثقافية، فقد اضطررتُ للدفاع عن نفسي. من تلك الآلية الانطوائية، أطلّ المخرج حازم كمال الدين عاقلا، مفكرا، مفكّكا، مركّبا"، متخذا لنفسه طرقاً متعرجة، كما وصفها، ابتدأت في الدفاع عن الهوية ومررت بالنظرات الفضولية لهوية الآخر، مستمراً في تأهيل نفسي لإتقان فنيات عدم فقدان الذات.

إعادة إنتاج

رأت الدكتورة ميسون علي ضمن ورقة عنوانها" المسرح والهوية: جدل التبعية والمثاقفة" في الجلسة الثانية من ملتقى الشارقة العاشر للمسرح العربي، أنه إذا كان تاريخنا العربي المعاصر عبارة عن سلسلة من محاولات النهوض والهزائم، فإنه من الطبيعي أن يظل سؤال الهوية، حتى ولو طُرح بصورة زائفة ومغلوطة، هاجساً يُعاد انتاجه مع كل محاولة نهوض مع كل هزيمة. ورصدت ميسون ضمن ورقتها التطورات المختلفة التي عرفها سؤال الهوية في الفنون عامة والمسرح على وجه الخصوص.