أثواب عذبة ومعان فياضة سلسة، مفعمة بنفحات إنسانية وملامح فكرية وإيمانية عذبة، تنسجها الأديبة الإماراتية منى مطر في قالب حكايات شائقة، تؤلف وتولّف مضامين جديدها «تمائم الوقت»، الصادر أخيراً، عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.

تأملات وشجب

تنتقي منى موضوعات كتابها بعناية ودقة، فتنثر في صفحاته صيغ تعدد وتمايز، ترصع عبرها بستان أفكار مؤلّفَها، بثمار عذبة فريدة، وهكذا لا تبخل أو تقتضب في تذخير مفرداتها السلسة الجاذبة، وكذا سردياتها المحكمة، بتأملات ثرية تنهل من التاريخ وقاموس الروحانيات، ومن معين قصص الأنبياء، لتصوغ أبهى حلل الكلمات المتلألئة بمحمولات معان مطرزة بأجمل الصور والخيوط والتجليات. ولتوظفها، نهاية، في إسقاطات مباشرة، تجادل وتعري الواقع الحالي، الذي يبقى يشهد تململاً وخللاً ما في أحد الجوانب، ويتبدى لنا ذلك في ما تفعله مع خيار استهلال صفحات كتابها الأولى، إذ تنغمس في مناقشة وعرض خطر تهويد مدينة الخليل في فلسطين، حالياً، مستحضرة تاريخ ومجد وقدسية هذه المدينة، ساردة قصصها وعبق تاريخها ورمزيتها. إلا أن منى، ومع استنكارها دأب الدولة العبرية لوضع المدينة تحت سيطرتها، تدلل بقوة على جذورها العربية والإسلامية، وعلى قيمتها وأهميتها كونها «معطرة بأريج النبوة». فهي مدينة نبي الله إبراهيم الخليل. وتوضح، عقبها، تاريخ المدينة وملامحها الجغرافية وسماتها الاجتماعية.

خاتم سليمان

تتنقل منى في مروج كتابها، بين سهول براقة تنثال في جنباتها، تغريدات روحانية تعطر الدلالة، وفي هذا السياق، نجدها لا تبتعد في محطاتها اللاحقة في الكتاب، عن تسطير فِكرِها وخطراتها وتأملاتها الحياتية، فتحكي في هذه الأجواء، نظرتها الخاصة لمعاني الشجرة ورمزيتها، وكذا قيمتها الدينية والحياتية الاعتيادية.. وتدرج هنا، مجموعة قصص حولها، تبين مكانتها في شتى العقائد وضمن مختلف الديانات السماوية، وأيضاً عند العرب قديماً.. ومن العناوين في هذا الصدد: شجرة الحياة، شجرة يونس. كما تتطرق منى، إلى قصص الأنبياء. وإلى ما تمثله مجموعة رموز وأشياء ارتبطت بهم، وذلك في موضوعات وعناوين كثيرة، منها: «خاتم سليمان»، «قميص يوسف». وتفرد الكاتبة، مساحة مهمة للحديث عن «الرقم المقدس»، فتفسر مكانة الرقم سبعة وما يمثله، منذ الأمد.. وتذكر، على هذا الصعيد، قصصاً وحيثيات تفصيلية جمة. ولا يطول بها المطاف، حتى تتحول إلى تناول عناوين أخرى، عدة، في الإطار والتوجه، نفسيهما، ومنها: ريح السكينة، مفاتيح رقمية.

في النساء

تخصص منى الفصل الثاني من كتابها للغوص في عوالم المرأة. فتستجلي مع «في النساء»، حكايات أبرز شخصيات التاريخ والأدب والسياسة، من النساء. لتنفذ في ظلها ووحيها، إلى عمق كنه الأنثى، ناثرة مع أولى صفحاتها في هذا الإطار، شجون شهرزاد «التي يردد صوتها غنائيات الجراح». إذ تتجدد وتهاجر عند الصباح، دائماً، لكن جوهرها يبقى خافياً على المحيطين، فلا يلتفتون إلى لآلئه. وبذا تستمر بالنسبة لهم، صورة مادية جسدية، ذلك بينما هي في الحقيقة، الغيورة والمحبة والعطوفة، المشبعة بأحاسيس نبيلة تتابع في ظلها تقديم القرابين والتضحيات من أجل الآخرين.

وذاك في زمن طغت فيه الأنا وتسيدت. تسافر بنا السطور في «تمائم وقتية» مدروسة وموجهة، فنتابع الإطلال على مراتع خصب فكري بانورامي، وفي وهج تلك الحال وترانيمها، تعرفنا منى إلى كليوباترا، في منظور ورؤية لافتين، حيث ندرك في موشورهما، أنها أخرى مغايرة للتي نعلم.. إذ لا نعثر مع تصويرات الكاتبة، إلا على كليوباترا الإمبراطورة المسؤولة والواعية التي تحملت المسؤولية بجدية. وارتضت فناء ذات عاطفتها وكيانها، في سبيل وطنها وأهلها.. وهكذا نتبينها في أسطر منى: «شجاعتي تؤكد لقبي.. أنا النار.. والهواء.. وعناصري باقية للحياة..». وتوجه منى، فورها، مركب الأفكار والسرد، لتحيلنا إلى منجزات وعظمة هذه المرأة. والأمر نفسه، تفعله في التعريج على سمات وحكايات: «زنوبيا» و«بلقيس» و«أروى الصليحية».

علاج لؤلؤي

 

نلج مع الكاتبة فضاءات معرفية ذات طابع متمايز في طور ختام كتابها: «في التداوي». إذ تربط بين قوى الطبيعة والروح، وتكللهما بالتأكيد على ضرورات الأخذ بقياد الإيمان الواعي، وفي هذا الخضم، تدبج لنا جملة أحاديث ثرة وماتعة، تفصل في ضوئها، حيثيات ومقومات قضايا عدة، تحت عناوين كثيرة، من بينها: «عشبة الفرح»، «أسرار الهرم»، «الطاقة الهرمية»، «العلاج باللؤلؤ»، «العلاج بالضوء»، «سيدة الشفاء».