كما الأحلام بين إضاءات البحر والبر، رُفع الستار، من اليسار تحديداً أطل طالب مرتدياً عباءة التخرج، مستعداً لإلقاء كلمة الخريجين الجدد، وإذا بصوت لرجل عجوز يرتدي الوقار معنى في حديثه، يستأذنه للمشاركة في مناسبة احتفالهم السنوية، قائلاً: "بل أنا من سيلقي الكلمة هذا العام يا ولدي". يرحب به الطالب ويسأله عن سبب رغبته الجامحة للحضور بينهم، وإذا ترسم حول ملامح الرجل العجوز هالة تأمل وإيمان قادة الجمهور من أعلى المسرح، إنه أحد العلماء الذين شاركوا في تأسيس منارة التعليم في الإمارات، وهي مدرسة الأحمدية.
هنا مشهد لأوبريت "غرس النور" الذي أقيم على مسرح ندوة الثقافة والعلوم بدبي أول من أمس، منشداً بكلمات الشاعر محمود نور، وعاكسا رونقاً تاريخياً لمبادرة معرفية صنعها فكر إنسان هذه الأرض، وبساطة انفتاحه على الآخر، مجسداً العهد الأول بمفهوم "أقرأ" شبه نظامي، معلناً رسمياً في عام 1912 انبثاق قبلةً للعلم أمام تحديات الفقر وشظف العيش.
وجاء الأوبريت احتفالاً بمئوية المدرسة الأحمدية، مقراً بأن الشهادة على العصر، تكتمل بتجليات الحاضر، ومنهجية المستقبل، مكونة جسراً لازال يترقب أفواجا من المتعلمين والدارسين في الإمارات.
جماليات
لم يتوقف الأوبريت عن إحداث ذاك الطنين في الذاكرة، خاصةً وأن جمهور الحدث من الدارسين في المدرسة الأحمدية ومن بينهم حسين البصري الذي قال:"أجمل ما استوقفنا في الأوبريت، تلك الأناشيد الصباحية، وأخرى كنا نطلق عليها العصرية، الحديث حولها يطول، ولكنها تجسيد مختزل لفعل اجتماعي عززه تأسيس بناء مستقل المدرسة".
التأمل في تفاصيل الديكور، الذي حمل مجسم تصميم المدرسة الأحمدية، حمل دفئاً فيه ملامح المكان والطرق و"الفريج" كحكاية لا تحتاج إلى راوٍ، بل قدرة على تفسير ثقافة العمارة، وهنا تسأل: لماذا أصر مؤسس المدرسة الشيخ أحمد بن دلموك، رحمه الله، أن يصنع جماليات بصرية في وقت كان توفر المكان نفسه والموارد الرئيسية من كتب وألواح كتابة يواجه تحديات للوصول إلى دبي.
قداسة الوطن
إلى جانب الأناشيد، جاءت سنفونية مرحلة البناء والتشييد للمدرسة الأحمدية، ضمن العرض الغنائي الجماعي، مشكلاً روحاً محلية لمفردات التاريخ، وحولها قال رئيس البنائين في مشهد الأوبريت:"هاتوا لي طين المدر، م البحر ولونه حمر، وجهزوا لي أقوى الحجر، باقي لنا حوش وليوان، عاد همتكم يا صبيان". وظهور المدرس في حلقة دراسية مع التلاميذ، كما كان يشكلها المعلمون الأوائل في تلك الفترة.
هناك أسرار لا يباح بها أثناء رؤية الأوبريت، وهي كواليس مشاعر الناظر للعرس الاحتفالي، ولا نقصد هنا الدارسين والمعلمين فيها من حضروا المدرسة، بل المشاهد العادي، الذي يرى علم الإمارات وهو يرفرف في أعلى شاشة المسرح بين كل مشهد وآخر في الأوبريت، حيث يتناول مراحل تولي حكام دبي مقاليد الحكم فيها.
