كان الوجيه الشيخ أحمد بن دلموك الذي عاصر ثلاثة حكام في دبي، وهم الشيخ حشر بن مكتوم، والشيخ راشد بن مكتوم، والشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم، من الثلث الأول للقرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن العشرين، كان هذا الشيخ، الشيخ أحمد، أحد وجهاء دبي واغنيائها، وقد وُصف من قبل من رأوه وعاصروه بالصلاح وحسن السيرة.. وأوّل من ذكره في كتاب منشور في الثلث الأول من القرن الماضي هو محمد لطفي جمعة في كتابه "حياة الشرق"، على لسان أحد من زار دبي واستضافه الشيخ أحمد بن دلموك في منزله، ورأى هذا الضيف ابنه محمد بن أحمد بن دلموك شاباً يافعاً ووصفه بالذكاء.. وا شتهر محمد بن دلموك تجارياً أكثر من أبيه لأنه عاصر حاكمين جليلين من حكام دبي هما الشيخ مكتوم بن حشر 1894 - 1906 والشيخ سعيد بن مكتوم 1912 - 1958 وهما الحاكمان اللذان انتقلت دبي في عهدهما من بلدة صغيرة إلى مركز تجاري إقليمي يشار إليه بالبنان والشهرة.
وعلى يد الشيخ أحمد بن دلموك المشار إليه، تأسس مركزان كانا عنواناً لتميز دبي، ليس في التجارة وحدها فحسب، بل في المشروعات الخدمية النافعة... وهذان المركزان هما المدرسة الأحمدية المشهورة، ومسجد الجامع الكبير في بر دبي الذي كان اكبر وأجمل مسجد بني في ساحل عُمان ودول الخليج العربية كافة. ومن رأى من المخضرمين هذا المسجد الكبير الذي اندثرت للأسف الشديد معالمه، والذي كان قائماً حتى الستينات من القرن الماضي، يتذكر ماكان عليه هذا المسجد من جمال وفخامة فنية عالية، فهو بالاضافة إلى كبر مساحته وموقعه أمام حصن الفهيدي التاريخي وسوق بر دبي الكبير، كان له طابع معماري اسلامي متميز... أتى بن دلموك رحمه الله ببناّئيه من فارس والهند، وشيدت على سطوحه قبب عالية مدورة كبيرة، وعلت في جوانبه الأربعة نوافذ من خشب الصاج الهندي المقاوم للرطوبة والحرارة، وعلت النوافذ من أرضية المسجد وحتى السقف، وكان له مدخلان رئيسيان من جهة السوق ومن جهة حصن الفهيدي، وهاتان البوابتان الضخمتان اشتغل فيهما النجارون الهنود ونقشوهما بنقوش عربية إسلامية رائعة، بالاضافة إلى الجداريات المزخرفة في أعلى النوافذ والأبواب وفي المحراب التي رسمت على أيدي بنائين مهرة من فارس ومن المقيمين في دبي من اهل فارس، وبني المسجد في حوالي العام 1904م.
ومن نافلة القول أن نذكر أن تاريخ دبي يسجل للشيخ أحمد بن دلموك هاتين المأثرتين اللتين تظهر معالمهما في هذين الصرحين، المدرسة التي سميت باسمه ومسجد الجامع الكبير في دبي، الذي هدم وبني في مكانه مسجد آخر حاول بناؤوه أن يضارعوا بهندسته البناء القديم، ولكنه أصبح بشكله الجديد، مرعى ولا كالسعدان!
ونعود للمدرسة الأحمدية التي أُنشئت في عهد الشيخ مكتوم بن حشر وبالتحديد عام 1904، واستدعى لها مدرسون من الأحساء ومن غيرها، وكان بناء المدرسة في البداية من السعف والجريد، وبعد ثلاث سنوات بدأ الانشاء الحجري في المدرسة، ولكن الشيخ أحمد بن دلموك توفي إلى رحمة الله، واستكمل البناء على يد إبنه محمد بن أحمد بن دلموك عام 1912، وهذا التاريخ الذي يتصدر أعلى بوابة للمدرسة ومداخلها، واعتبره المؤرخون تاريخ إنشاء المدرسة، بينما كانت المدرسة موجودة كما ذكرنا في العام 1904 في عهد الشيخ الجليل مكتوم بن حشر بن مكتوم الذي توفي عام 1906.
وكما هو عنوان هذا المقال، فإن هذه المدرسة، "الأحمدية"، أو مدرسة الأحمدية، هي أم المدارس من حيث الحجم ومناهج التدريس ليس في دبي فحسب بل في كل مناطق ساحل عُمان أو الإمارات العربية المتحدة، والذين أشاروا إلى وجود مدارس في مستوى هذه المدرسة قبلها أو بعدها حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي، فإن هؤلاء أشاروا إلى أمور بعيدة عن الدقة.. والدليل على أن هذه المدرسة هي الأم وهي البداية للمدارس، أن الشيخ عبد العزيز الثعالبي الزعيم التونسي المعروف، ذكر مؤسسها بالاسم، وأشار إلى وجودها في دبي عند زيارته لها عام 1924م.
وأقيمت للشيخ الثعالبي حفلة استقبال القيت فيها الخطب والقصائد، وقد كتب كاتب هذه السطور عن الشيخ الثعالبي وزيارته لدبي وإشارته للمدرسة الأحمدية في جريدة الخليج، الصادرة في2 يوليو 1987 العدد 2989.
وكانت المدرسة الأحمدية تتميز بأنها أول مدرسة في هذه المنطقة تتخذ من مناهج الدراسات الاسلامية طريقة للتدريس، وكان الفقه المقارن، أي الدراسة على مذاهب السنة الأربعه المعروفة، هو المنهاج الذي تمشي عليه الأحمدية. بالإضافة إلى علوم العربية كالبلاغة والمنطق والأدب العربي. ويكفي هذه المدرسة فخراً أن طليعة المثقفين الإماراتيين وخاصة من دبي هم من خريجي هذه المدرسة، وكان عدد منهم أعلاماً ويشار إليهم في المعارف والثقافة والمحاسبة والتدريس والادارة.. قبل تأسيس المدارس النظامية الحديثة..
وعند الاشارة إلى الشيخ عبد العزيز الثعالبي وزيارتة الموثقة إلى دبي عام 1924، كما قلنا، فان الشيخ الثعالبي نشر إنطباعاته عن هذه الزيارة وغيرها للهند ومدن الخليج في جريدة السياسة المصرية عدد 16 مايو 1926. ومما قاله الثعالبي أن هناك مدرسة في مسقط ومدرسة المحسن الكبير ابن دلموك في دبي (غربي عُمان).
وقد ذكر لي المرحوم السيد هاشم الهاشمي الشخصية المعروفة في دبي، أنه كان تلميذاً في الأحمدية أيام زيارة الثعالبي ومعه في المدرسة زميله المرحوم أحمد بن سليم، واشار السيد هاشم ان راشد بن جمهور ولعله كان طالباً او مدرساً في المدرسة القى قصيدة، كان السيد هاشم يحفظ بيتين منهما.
قدوم سعيد يوم عيد مبارك
فيا مرحباً بالندب ذي الهمة الكبرى
قدمت إلينا أيها الشهم زائراً
فأحيت لنا الأمال طلعتك الغراء
ونظم الشاعر المعروف سالم بن علي العويس قصيدة احتفى فيها بالثعالبي، ولا أدري إن كان قد القى هذه القصيدة في المدرسة الأحمدية أو عمل هذه القصيدة في تلك المناسبة.
لــــــيهنئ أمــتنا هذا ليهنيهـا
هذا إبنها البر هذا المرتجى فيها
هذا الهمام الذي يسعى لوحدتها
إذا سعى في تجزّيها أعاديها
حُيّيـــــتَ وحّيــــي كل ذي كرم
يـــــــسعى لأمته فيما يُرقّّيها
تـــرضى الجزيرة أن تلقاك محترمــاً
مابـــين حـاضرها فيهـا وبـاديها
شكراً لسعيك، شكراً كلما وَحدَتَ
بــك المطي وماعناك حاديـــها
وفي رأيي أن ندوة الثقافة تفعل حسناً باحتفالها بمرور مائة عام ونيف على تأسيس هذه المدرسة وتكريم من بقوا على قيد الحياة من خريجيها ومدرسيها، وهي خطوة جيدة تضاف إلى خطوات ندوة الثقافة والقائمين عليها في سبيل نشر المعرفة..