لطالما كانت القصيدة دعامة الغناء على امتداد العصور، ولكن رحلتها من دواوين الشعراء إلى الأغنية كانت مليئة بعواصف التغيير، الأمر الذي أثار فضول الكاتب المسرحي والصحافي والمترجم اللبناني فارس يواكيم، ودفعه إلى البحث في تاريخ أبرز القصائد العربية الفصحى التي عندما لبست ثوب النغم تعرضت للتعديل، فاستبدلت كلماتها بكلمات، وحذفت منها أبيات أو أضيفت إليها أبيات أو جرى تعديل في ترتيب أبياتها، وليس بغريب على يواكيم الخروج بأدلة ووثائق ساخنة بعد عمليات البحث المضنية التي يجريها عادة في مؤلفاته الثقافية، ولكنه هذه المرة لعب دور المحقق في "حكايات الأغاني" ونبش ملفات القصائد التي مر عليها عقود من الزمن، والخاصة بـنحو 37 شاعراً، لنكتشف أن أم كلثوم ونجاة الصغيرة وفيروز وغيرهن، قمن بتغيير ملامح درر القصائد، إلى جانب عدد من المغنين والملحنين.
آفاق مجهولة
لم يتطرق فارس يواكيم في "حكايات الأغاني" إلى الأغنيات التي كتبها الشعراء بناءً على طلب ملحن أو مغن، ولم يتناول القصائد ذات الكلمات العامية، لأن معظمها قصائد كُتبت خصيصاً للغناء، حتى وإن خضعت لبعض التعديلات، كما اكتفى بالإشارة إلى القصائد التي لم يلمسها قلم التغيير في رحلتها من قصيدة الديوان إلى قصيدة الأغنية، لأنها حسب رأيه بلا حكاية، ومنها، على سبيل المثال، قصيدة (أيظن) المنشورة في ديوان (حبيبتي) لنزار قباني والتي لحنها محمد عبدالوهاب كاملة ودون تغيير كلمة واحدة وغنتها نجاة الصغيرة.
الأغاني التي يروي يواكيم حكاياتها في هذا الكتاب، ولدت والأغنية لم تصبح جنيناً بعد، بحث عن أبرزها بين الدواوين والتسجيلات المختلفة، واستعان بثلاثة أشخاص فتحوا أمامه آفاقاً كانت مجهولة، وهم الناقد السوداني الدكتور علاء الدين آغا، الذي لم يكتفِ بلفت انتباه يواكيم إلى شعراء السودان وفنانيه، بل تجاوز ذلك إلى أدباء عرب آخرين، ونسخ لها نصوص شعرية قديمة لم تعد في متناول اليد.
أم كلثوم
يشير يواكيم في كتابه إلى أن أم كلثوم غنت قصيدة "أراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني التي تتكون من 54 بيتاً، بحيث غنت في الإصدار الأول ستة أبيات منها، وفي لحن رياض السنباطي عشرة أبيات، من ضمنها الأبيات الستة التي غنتها من قبل بلحن جديد.
الأبيات الخمسة الأولى المغناة، تطابق أبيات الديوان في الترتيب واللحنين، وقد تعرضت الكلمة الأولى في البيت الثاني لتعديل، يعد مخالفة لقواعد اللغة العربية، حيث تقول القصيدة أراك عصي الدمع شيمتك الصبر/ أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟ بلى، أنا مشتاق، وعندي لوعةٌ/ ولكن مثلي لا يذاع له سرُ، و(بلى) أصبحت في الأغنية (نعم)، وهذه مخالفة لأن السؤال بصيغة النفي (أما للهوى؟) يستوجب الرد بـ(بلى)، ولو كان السؤال (هل للهوى)، لأمكن الجواب بـ(نعم)، وفي النسختين غنت أم كلثوم (نعم)، ولعلها أرادت تفادي المدلول العامي المصري لكلمة (بلى) التي تعني (بلاء)، ولكن في طبعة بيروت 1910 نقرأ البيت كما غنته أم كلثوم (نعم أنا مشتاق).
وكتب جورج جرداق قصيدة تبدأ بمطلع غير الذي عرفه المستمعون وهو: هذه ليلتي.. وهذا العود/ بث فيه من سحره داوود وفي البيت إشارة إلى النبي داوود صاحب المزامير، لكن أم كلثوم طلبت تغيير المطلع بسبب تلك الإشارة.
فيروز
ويذكر يواكيم في كتابه أيضاً أنه جرت العادة في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي أن تحيي فيروز أمسيات غنائية كل صيف في دمشق بمناسبة المعرض الدولي، وفي معظم المواسم كانت تقدم مسرحية غنائية وفي بعضها منتخبات من أغانيها، غير أنها في كل المواسم كانت تفتتح الأمسية بقصيدة عن دمشق أو سوريا، وفي عام 1971 غنت قصيدة نزار قباني (موال دمشقي) من الأعمال السياسية الكاملة ومستهلها: لقد كتبنا وأرسلنا المراسيلا/ وقد بكينا وبللنا المناديلا
قل للذين بأرض الشام قد نزلوا/ قتيلكم بالهوى ما زال مقتولا. وفي الأصل: قتيلكم لم يزل بالعشق مقتولا. وقد غنت فيروز القصيدة كاملة باستثناء بيتين في وسط القصيدة، وهما:
أيام في دمر كنا وكان فمي/ على ضفائرها حفراً وتنزيلا/ والنهر يُسمعنا أحلى قصائده/ والسرو يلبس بالساق الخلاخيلا. كثيرة هي القصائد التي غنتها فيروز من شعر سعيد عقل، ومنها قصيدة (ردني إلى بلادي) المنشورة في ديوان (دلزى)، وبرغم أنها قصيدة قصيرة، إلا أنها تعرضت لتغييرات وهي في رحلتها من قصيدة الديوان إلى قصيدة الأغنية.
