الأجيال الجديدة لم تعد تكتفي بمشروعية الحكومات القائمة كما هو الحال في مشروعية الثورات المصرية والجزائرية رغم عمقها التاريخي، لأن الجماهير تطالب بحاكم من المفترض أن يمثلها حتى يتمتع بالشرعية والسلطة في ظل ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب العربي، حيث اعتمدت السلطات العربية على الأرياف في تثبيت سلطتها كما هو الحال في سوريا والأردن وغيرهما من البلدان العربية، هذا ما أكده وزير الثقافة اللبناني الأسبق د. غسان سلامة في محاضرة نظمتها ندوة الثقافة والعلوم بدبي، مساء أول من أمس، بعنوان «تأملات في الواقع الفكري العربي»، وركز خلالها على العمق الجيوستراتيجي للأزمة السورية، لأنها ترسم ملامح دور إيران وتركيا والنزاع العربي الإسرائيلي في المنطقة، بينما لا تزال هذه الأزمة لم تكتمل في إطارها الجغرافي بعد.
الانتفاضات العربية
وكانت الندوة قد اكتظت بجمهور كبير للاستماع إلى محاضرة د. غسان سلامة، التي أدارها الكاتب الإماراتي دكتور عبد الخالق عبد الله، والتي خرج المحاضر فيها عن عنوان المحاضرة «تأملات في الواقع الفكري العربي»، وتحدث عن الواقع السياسي العربي، وما تمخضت عنه الثورات العربية التي أطلق عليها تسمية الانتفاضات العربية، منوهاً إلى أن الفكر العربي لم يرق إلى ما جرى على الساحة السياسية من أحداث.
وشدد د. غسان سلامة على أنه ليس هناك حل واحد يمكن فرضه أو تطبيقه في كل مكان، لأن المنطقة العربية متنوعة، بينما أشار إلى أن ما يزيد من تعقيد أزمة العالم العربي أن كثيراً من الجمهوريات أصبحت «ملكيات»، وأن بعض الأنظمة التي أخذت المنحى الاشتراكي، انخرطت في اقتصاد السوق الرأسمالي، في ظل أزمة لم يتداركها الحكّام العرب تتمثل في النمو السكاني بشكل مطرد، فالمصريون، مثلاً، كانوا خمسة ملايين نسمة أيام حكم الملك فاروق وأصبحوا في الوقت الحالي 75 مليون نسمة أو أكثر.
التعبئة الدينية
أما في ما يتعلق بالأحزاب الإسلامية، فقد انطلقت على أساس التعبئة الدينية في الشارع ونجحت في ذلك، لكنها لم تتمكن من ممارسة الحكم على أساس ديني، لأنها استخدمت الشعارات سهلة الإثارة. وتساءل المحاضر عن مصير الانتفاضات العربية، ورأى أن مصائر هذه الشعوب ارتبط بالحاكم، بينما أدى تقويضه إلى تقويض التركيبة المجتمعية بكاملها.
واستعرض غسان سلامة مفهوم الاستقرار الذي يقوم على تداول السلطة، وهذا ما هو حاصل في البلدان الغربية والأوروبية. بينما يعتقد الحكّام العرب أن استمراريتهم في الحكم تعني الاستقرار. واستشهد بقول الملك لويس الرابع عشر الذي يمثل نوعاً من الحاكم المستبد بقوله: «أنا الدولة».
وأشار إلى أن الانتفاضات العربية أدت إلى إحداث ارتباك في الإدارات السياسية حول العالم. كما أن هذه الانتفاضات شهدت ضآلة في الفكر الذي كان يكمن وراءها.
وطرح الجمهور مجموعة من الأسئلة والتعليقات، التي أجاب على بعض منها، ومن بينها ما يتعلق بالتركيبة السكانية والهوية الوطنية في بلدان الخليج. وقال: «يبدو أننا لسنا ذاهبين إلى أنظمة ديمقراطية. واستشهد بكتابه (ديمقراطية بلا ديمقراطيين) الصادر في عام 1994 الذي نبّه إلى أبعاد هذه الأزمة في ظل انعدام تداول السلطة في العالم العربي.
المشروع التنويري
يرى د. غسان سلامة أن هناك تناقضاً في موضوع استخدام الدين في الحياة السياسية العربية، القائم على العقيدة والمؤسسة والسوق والمنافسة. وأن الدين كلغة له فاعلية كبيرة ولكن فاعليته كمصدر للسلطة متواضعة.
وأورد مثالاً على ذلك، بأن علاقة الرئيس المصري محمد مرسي مع صندوق النقد الدولي ضعيفة للغاية، بل إنه لا يمتلك قابلية التخاطب مع هكذا مؤسسات دولية. وأضاف: «على الإسلاميين أن يواجهوا العقلانية والتعامل بموضوعية مع القوانين الوضعية.
وعلى الذين وصلوا إلى السلطة على أساس ديني أن يعيدوا النظر في ممارستهم للسلطة، بينما لا يلعب الدين دوراً كبيراً في السياسة، لذا لا بد من الكفاءة والمعرفة والثقافة، وهذا ما يؤدي إلى الاستعانة بالحداثة. فالسلطة سترغم الإسلاميين على الانخراط في الحياة العملية».
سيرة مفكر
غسان سلامة (1951)، سياسي لبناني وأستاذ للعلوم السياسية في جامعة السوربون، تولى وزارة الثقافة في ظل حكومة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري من عام 2000 إلى 2003. كان ضمن وفد الأمم المتحدة إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي 2003، وكاد أن يلقى مصرعه في حادثة تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد.
له العديد من المؤلفات بالفرنسية والعربية منها «المجتمع والدولة في المشرق العربي»، و«السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945 دراسة في العلاقات الدولية»، و«نحو عقد عربي جديد - بحث في الشرعية الدستورية»، و«التسوية الشروط المضمون، الآثار»، و«من الارتباك إلى الفعل التحولات العالمية وآثارها العربية»، و«أميركا والعالم إغراء القوة ومداها».
