في منزل عريق بمنطقة الحمرية في دبي، كان الشاعر ورجل الأعمال الراحل سلطان بن علي العويس (1925 ـ 2000)، يلتقي أصدقاءه المقربين والمهتمين بشغفه الأول والأخير" الشعر". لكن بعد رحيل سلطان العويس ظل هذا المكان الذي أطلق عليه (مجلس سلطان العويس)، متعطلاً إلى أن أخد ابن أخيه علي بن حميد العويس ونخبة من أصدقاء الراحل والمهتمين بالأدب والشعر، بإعادة إحيائه من جديد وبعث الروح فيه بعد سنوات طويلة من الغياب.

وثائق تاريخية

يجسد هذا الرجل وجهاً من وجوه الثقافة في الإمارات عامة ودبي خاصة، ولعل معرض الصور الذي أقيم على هامش افتتاح المجلس يجسد مراحل حياته والشخصيات التي التقاها سواء الرسمية منها أو المدنية.

وتكشف بعض الوثائق التاريخية نشاطه التجاري والفكري، منها وثيقتان هامتان، الأولى صادرة عن ديوان الحاكم في دبي مؤرخة في 9 مايو 1962 ونصها (نحن راشد بن سعيد بن مكتوم حاكم دبي: نؤكد أننا أجزنا لتجار دبي أن يؤسسوا بنكاً وطنياً في دبي باسم ــ بنك دبي الوطني ــ برأسمال قدره مليون جنيه استرليني ويجوز لبنك الكويت الوطني المساهمة فيه بالاتفاق مع المؤسسين). وقد كان الراحل سلطان العويس مساهماً فيه.

والوثيقة الثانية المعروضة صادرة عن إمارة أبو ظبي ديوان الحاكم لا تحمل تاريخاً، ونصها (حضرة سمو رئيس بلدية أبوظبي المحترم. تحية طيبة وبعد. لقد سمحنا لسلطان بن علي العويس بشراء أرض في أي منطقة.

لذا نأمركم بعمل الترتيبات اللازمة مع التحيات. زايد بن سلطان). وتعكس هاتان الوثيقتان التعاملات التجارية التي كان يقوم بها الراحل سلطان العويس ومدى ثقة ديوان الحاكم به. وهي جزء من سيرته الحياتية الناجحة.

كما تضمن المعرض صوراً تاريخية لسلطان مع عدد من المسؤولين ونخبة من المثقفين على مر مراحل حياته.

مما لا شك فيه، فإن مجلس سلطان يكتسب أهمية كبيرة في كونه كان بذرة لاختمار أفكار مستقبلية جديدة في عهد كانت الإمارات في بداياتها الأولى نحو النمو والتطور.

وحول هذه القضايا، تبادل معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي محمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، وعبد الغفار حسين، بعض هذه المعلومات التاريخية والذكريات التي يعج بها مجلس العويس أو دارة العويس التي انطلقت منها أفكار الشاعر الراحل سلطان العويس في بناء وإنشاء مؤسسته التي طافت شهرتها الآفاق والحدود حتى أصبحت من أهم المؤسسات الثقافية العربية.

وركزت هذه الحوارات السريعة على أهمية الجمعيات والروابط الخيرية والوقفية في ارساء أركان المجتمع المدني في العالم أجمع بل إن بعضها أسس مراكز علمية وثقافية وتربوية ومستشفيات عالمية شهيرة كان لها الأثر الكبير في مجتمعاتها.

وتحدث الشيخ نهيان بن مبارك فقال «إن إحياء المجلس فكرة طيبة لأنه أحد الأركان التي ساهمت في بناء الإمارات باعتباره أصبح قدوة للجميع. إنها حقاً خطوة مباركة أن نقوم بإحياء هذا المكان". ثم أضاف محمد المر بأن المؤسسات الأهلية والوقفية في مجال الثقافة والصحة والتربية ساهمت في رقيّ الأمم.

وأضاف الشيخ نهيان بن مبارك "إن إنشاء مؤسسة العويس الثقافية يدل على وعيه الراقي في البناء والتأسيس". وأجابه محمد المر: والأهم من كل ذلك أنها من المؤسسات الثقافية العربية النادرة التي حافظت على استمراريتها".

وأضاف عبد الغفار حسين: "إنها أكبر مؤسسة ثقافية في العالم العربي وسبب أساسي أن سلطان قد حرص على أن تكون مؤسسة قائمة على العمل الجماعي وليس على العمل الفردي". ثم عبّر عن تقديره لخطة إعادة إحياء مجلس سلطان العويس بقوله: "يجسد هذا المجلس أو الدارة الشيء الكبير عند رواده.

وحينها كنت أتردد على زيارة أبو علي في هذا المجلس بالذات. وفي هذا المكان اختمرت فكرة إنشاء مؤسسة سلطان بن علي العويس حيث كنا نتجاذب أطراف الحديث ونناقش هذا الموضوع. وقامت المؤسسة بواسطة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي كان مقره في الشارقة. وكانت المؤسسة تابعة في بادئ الأمر إلى اتحاد الكتاب ثم انفصلت عنه. كنت أزور هذا المجلس مرتين أو ثلاثا في الأسبوع".

التجارة والشعر

وقال علي عبيد، مدير مركز الأخبار في تلفزيون دبي: "أعتقد أن إعادة افتتاح مجلس المرحوم سلطان حدث هام للغاية خصوصاً في حضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك، ومحمد المر وعبد الرحمن العويس ووزراء آخرين وشخصيات ورموز لها وزنها في دولة الإمارات أعطى الحدث زخماً يدل على المكانة الرفيعة لسلطان العويس، ويعبّر عن الوفاء الكبير لهذا الرجل الذي قدم للثقافة الكثير بما لا يحصى وبذل الكثير من الجهود في دعم الثقافة، منها اسهامه الكبير في بناء ندوة الثقافة والعلوم، وكذلك دعمه لجائزة العويس في الابداع والابتكار وكذلك دعمه للمساكن الشعبية وغيرها من الأعمال الأهلية.

ويمكنني القول مهما كرّمنا هذا الرجل لا نوفيه حقه، فهو بحق قامة ثقافية، جمع بين التجارة والشعر ولم يتخل عن إنسانيته مقابل الأموال أبداً.

فمن النادر أن تجمع كل هذه الخصال في شخص رجل واحد. كما اشتهر بتواضعه الجم، وفتح مجلسه لكل من يريد الانضمام إليه، ولم يرد سائلا». وأكد عبيد "أن الحدث المهم هو إعادة إقامة ندوات أدبية وثقافية بشكل منتظم فهي إحياء لذكرى رجل عظيم".

إحياء المكان

الملحق الثقافي في القنصلية السعودية بدبي الدكتور صالح بن حمد السحيباني أكد على أن مجلس العويس كان منبر اشعاع ثقافي في الإمارات، أشرقت منه شموس الثقافة ليس في الإمارات فحسب بل في العالم العربي بأكمله.

فهو رجل أعمال وشاعر وظف المال في خدمة الثقافة. ومن هنا برزت الثقافة كأحد الابداعات الروحية لهذا الشعب، بحيث أصبح لا يمكن أن نتحدث عن الثقافة دون الإتيان على ذكر هذا الرجل.

كما قال حميد بن ناصر العويس وزير الكهرباء والماء سابقاً: "إنها مناسبة تسعد كل شخص، فهو الشاعر والأديب والناقد والصحافي أيضاً. نتشرف بحضور نخبة من رموز البلد الثقافية إلى هذا المجلس، وعلى الخصوص الشيخ نهيان بن مبارك، الذي نعتبره رمزاً من رموز العلم والثقافة وكانت علاقته وطيدة بالأخ الراحل سلطان العويس، وهو بحضوره شخصياً إنما يدلل على مدى الوفاء الذي يكنه للثقافة".

أما صاحب مجلس سلطان، ابن اخ الراحل سلطان العويس، علي بن حميد بن علي العويس، فقد قال: "كان هذا المكان آخر مجلس له، وبعد رحيله في عام 2000، سعينا إلى إحيائه من خلال إقامة معرض الصور الذي يجدد ذاكرته.

فقد علمنا الراحل الكثير، رغم أنه كان قليل الكلام، لكن ما يقوله كان عبارة عن حكم، وقد تربينا على نهجها، ونهج جدنا عبد الله العويس". ثم أضاف: "نخطط لاستكمال ما بدأه الراحل من خلال إحياء مجلسه الثقافي، وإقامة الجلسات الاستعادية، كل يوم ثلاثاء في الأسبوع الأول من كل شهر، يطرح من خلاله المثقفون والأدباء عدداً من القضايا الأدبية والثقافية عبر قراءات أدبية وشعرية، واستقطاب الشخصيات والرموز الثقافية والأدبية.

ولا نشعر بأي اختلاف بين مؤسسة العويس وندوة الثقافة والعلوم وبين إحياء مجلس العويس، لأن هدفها واحد، وجذورها تمتد إلى الثقافة الأصيلة".

وأشاد بلال البدور الوكيل المساعد للشؤون الثقافية في وزارة الثقافة بهذه الخطوة واعتبرها تعيد الألق للمجلس لأنه من أهم المجالس الثقافية التي أرخت لتاريخ الثقافة الإماراتية في بذورها الأولى.

 العمل المؤسساتي انطلق من هنا

 عبّر الحاضرون على مختلف أجيالهم عن اعتزازهم بهذا المنجز الثقافـي الكـبير، وهو إحياء مجلس سلطان العويس، لما فيه من أهمية في انطلاق هذا الرجل في تأسيس عمله المؤسساتي الذي لا يعتمد فيه على جهود فرد واحد بل على جهود الجماعة، وهو سر نجاح هذه المؤسسة التي شقت طريقها من بين المؤسسات العربية الأخرى دون أن تنالها رياح الأهواء والرغبات الذاتية، فكانت شامخة كمؤسسة يفتخر بها جميع الأدباء والمفكرين والعلماء العرب، خاصة حين قرر الشاعر الراحل سلطان العويس تأسيس جـائزة دائمـة بتاريـخ 17 ديسمبر 1987، تحمل اسمه وتكون لها استقلالية لتكريم الأدباء والمفكرين العرب. وهو ما جرى في الواقع على مر العقود الماضية.

 استقطاب المثقفين

 كان الشاعر الراحل سلطان العويس يحرص على حضور مجلسه في منطقة الحمرية بدبي، وظل هذا المجلس يستقطب كبار المثقفين والأدباء الإماراتيين والعرب إلى سنة رحيل صاحبه في عام 2000 مما تعطل المجلس وأغلق أبوابه. ثم ارتأى بعض أفراد عائلة العويس إحياء هذا الإرث الثقافي النادر فقامت بافتتاحه في يوم 4 ديسمبر 2012 لاستقطاب النخب الثقافية إلى هذا المجلس وإعادة الروح إلى هذا المكان بحلته الجديدة.

 الشاعر وهموم الأمة

 سلطان العويس ليس شاعر الحب والغزل، بل هو شاعر بآلام أمته وواقعها المرير وتفككها وما تتعرض له من هزات، وما يحاك حولها من مؤامرات، ينظر الى واقع أمتـه بمنظار يصور كل ذلك الواقع، مسـتمداً العبرة من التاريخ. ولد سلطان بن علي العويس في بلدة الحيرة بدولة الإمـارات العربية المتحدة عام 1925، وبها تلقى تعليمه الأول، ثم انتقل إلى دبي وفيها التقى بالعديد من وجوه الأدب خصوصا عمه سالم العويس الشاعر المشهور.

 سلطان العويس

  شعر: محـمـــود نـــور

ذكـِّرُوا الـقـلـْبَ ( بسلطانِ العويسْ )

كي يفيضَ الوَجْــدُ بالـدَّمْعِ الحبيسْ

إنَّمــا الشِّـعْـــرُ و ( سلطــانُ ) هـنــا

كانَ وُدًّا مِـثْـلـَما ( ليلى ) و ( قيسْ )

بَـعْـــدَهُ ( لـيـلـى ) بِـلا ( قَـيْـسٍ ) ولا

مِـثْـلـَـمـــا الـبــانُ لــهـــا قَــدٌّ يَـمِيـسْ

لــكِــنِ الـذِّكـْــرَى بِـهـــا تَـهْـفُـــو إلـى

مَنْـــزِلِ الأحـبــابِ في كـُـلِّ خَـمـيــسْ

لِـتَـبُـــثَّ الـشَّــــوْقَ فـي أعـمــاقِـنــــــا

أغْـنِـيــاتٍ أسْـعَـــــدَتْ روحَ الجَـلـيــسْ

أنــتَ يـا ( سـلـْـطــانُ ) مـا غادَرْتَــنــا

بَـــلْ تَـبَـــوَّأتَ مـن الـنَّـفْــسِ النَّسِيــسْ

أنــتَ رُغْــــمَ البَـيْــنِ دَوْمـــًـا تَحْـتَـفِــي

بِـأمـانِـيـــــكَ ابْـتِـهــاجــًا كـالـعَــريــسْ

وتُـحَـيِّـيـنـــــــا عـلـى بُــعْــــــدٍ كــمـــــا

يَــبْـــزُغُ الـبَـدْرُ دُجـى الـلـيـلِ العمِـيسْ

لـــمْ يَـــــزَلْ عِِـطـْـــــرُكَ والــرُّوحُ الـتـي

ألـْـهَمَـتْـنــا الشِّـعْـــرَ تَشْـتــاقُ الأنِـيـسْ

لـــمْ تَــــزَلْ بِـالـحَــقِّ فـيـنــــا شـاهِــــدًا

أنَّ فـي الـنَّـــــاسِ كـَـريـمـًـا ونحِــيــسْ

وبِــأنـَّــــــا لِـلـمعــــــــــالِـي نَــنْــتَــمــي

والـمَـعـــــالي لــمْ تَـكـُـــنْ هَمَّ الخَسِيسْ

إنَّـمــــــا الدُّنْـيـــــا خَــيـــــــالٌ زائِـــــــلٌ

كـُـــلُّ عَـيْـــشٍ دونَـمـــا بَــــذْلٍ تَـعِـيـــسْ

وَلِــــــذا الـبَـــــذْلُ مـــن الإيـمــــــــانِ إذْ

يُـرْتَجَـى لِـلـبَــذْلِ ذو الـمجْـــدِ الـنَّفِيـــسْ

موهبةُ الشِّعْـر:
شعر: سلطان العويس

قولوا ( لـمَـحمـودَ ) إنَّ الشِّـعْــرَ مَـوْهِـبَــةٌ

أُعْطِيـتَـهــــا فَـدَعِ الأنْـغَــــــــامَ تَـتـَّـصِـــلُ

مـا بَـيْــنَ أفْــئِــــــدَةٍ بِـالـحُــبِّ نـاعِـمَــــــةٍ

وَبَـيْــنَ أفْـئِـــــــدَةٍ تـُــكـْـوَى وَتَـشْـتَـعِــــــلُ

* نظمها الشاعر في دبي - الإمارات العربية المتحدة فـي 25 أغسطس 1992م، إهداءً إلى الشاعر محمـود نـور .

المصدر: ( ديوان سلطان العويس ) الأعمال الشعرية الكاملة .