يحتفي متحف موسكو هذه الأيام بأعمال الفنانة آيدان سالاخوفا، التي تعد أول فنانة استخدمت وسائل الفنون البصرية الحديثة في روسيا، باستضافة معرضها الفردي الثاني "وجهة" الذي افتتح أول من أمس بحضور كبار الشخصيات والطبقة المخملية لمجتمع موسكو والمعنيين بالشأن الفني.
رسائل مفتوحة
تتمحور أعمال آيدان سالاخوفا، التي ولدت في أذربيجان وسبق أن عرضت أعمالها في دبي، حول العوالم الداخلية لكينونة المرأة المسلمة المستترة خلف الحجاب عبر التاريخ، لتحمل كل منها عدداً من الرسائل المفتوحة التي تفكك بنية تفكير الغرب التقليدية عن وجودها، لتبرز كينونتها عبر رموز عوالمها الإنسانية الغنية والحافلة بالمعرفة والحكمة والحب.
أما تميز المعرض، الذي شغل مساحة الدور الأول من المتحف، فيكمن في تنوعه وجمع آيدان بين الفن الحديث من رسم ونحت، والفن المعاصر كفن الفيديو والوسائط البصرية الأخرى، حيث قدمت آيدان المتمكنة من أدواتها، رؤيتها الفنية، التي أثارت جدلاً واسعاً بين نقاد الفن في المعرض، من خلال ثلاثة محاور هي، الجسد والأيدي والأشياء، مختزلة من خلالها مجموعة من الرسائل التي تتكشف للزائر خلال جولته والتي تحمل الكثير من التأويلات.
تبدأ الجولة في المعرض، من محور الجسد حيث يطالع الزائر لدى وقوفه أمام المنحوتة الأولى، امرأة بالحجم الطبيعي متشحة بسواد حجر الغرانيت بثنيات عباءتها، مقابل الكفين المتشابكين أمامها والمنحوتتين بدقة من الرخام الناصع البياض، ليتبعها في قاعة أخرى امرأة يكشف سواد غرانيتها من مساحة الوجه إلى القدمين مثلث من بياض الرخام، ليتجلى في المنحوتة الثالثة تحول هذا المثلث إلى خامة كثيفة من طيات القماش التي ترمز إلى طهرانية وسلام عالمها الداخلي.
ينتقل الزائر بعدها إلى عالم الأيدي المتنوع بكافة المعايير الفنية، من اسكتشات الدراسة إلى الأيقونة التي تجلت في دمعة كبيرة من سواد الرخام لتخرج من أعلاها كف تحذر ناظرها من تجاوز مكانه أو حدوده، كما تضم تلك القاعة لوحات لأيدي تكشف عن مكنونات كائنها الداخلي من خلال حساسية قلم الرصاص.
أرابيسك
ويخال الداخل إلى القاعة التي تليها، أنه فـي عالـم من سحر الشرق أو "الأرابيسك"، حيث حملت الجدران المزينة بالزخارف الإسلامية باللونين الأبيض والأسود، عدة منحوتات رخامية باللونين ذاتهما ليديّ امرأة الحجاب التي تحمل إما كتاباً رمز الحكمة والمعرفة، أو ما يشبه الصلصال رمز الحياة، أو قطعة من النسيج الأبيض رمز طهرانيتها، وغيرها من المعاني.
ويستقبل الزائر بعد خروجه إلى صالة أوسع، مجموعة من لوحات فن المنمنمات الشرقية التي تؤطر عوالم جديدة في حياة تلك النساء من الأمومة والمشاركة والتفاعل، لتخلق تناغماً بين أجواء ألف ليلة وليلة وعبق ألوان الشرق، ولكن لتكسر انطباع المستشرقين السائد عن المرأة، حيث جمعت في لوحاتها تلك بين ألوان الأكريليك وقلم الرصاص. كما ضمت القاعة مجموعة من لوحاتها التي سبق أن عرضتها العام الماضي في غاليري "كوادرو" بدبي.
وفي القاعة الأخيرة التي تليها، يتجلى تحدي الفنانة لنفسها، في تطويع الرخام الأبيض ليبدو للناظر قماشاً ليناً محمولاً عل الحائط بلا وزن، كذلك صفحات من كتاب يحمل في طياته بذور المعرفة التي تبدو في مساحة صغيرة من السواد اللين الذي يومض هنا وهناك.
قاعة الأشياء
ما إن يدخل أي زائر قاعة الأشياء حتى ترتسم على ملامحه مشاعر الإعجاب والدهشة، حيث أبدعت الفنانة في نحت ما استلهمته من مآذن الجوامع كرمز للإيمان والحب النقي القريب من عوالم الصوفيين.
وتحت أنامل آيدان تحول رخام المرمر شديد الصلابة إلى وريقات أو بتلات ورد تحيط بالمئذنة، أو قطرات دمع تنساب عليها وغيرها الكثير مما حملته جماليات مخيلتها.
وقالت آيدن عن أعمالها في المرمر، "استغرق مني انجاز قطعة بتلات الورد ذات الارتفاع 50 سم أكثر من ستة أشهر".
