أشاد التقرير العربي السنوي الخامس للتنمية الثقافية، الذي أطلقته مؤسسة الفكر العربي بدبي أمس بدولة الإمارات، لأنها تشكل استثناءً ملحوظاً ومدهشاً إذ تبلغ قيمة صادراتها من السلع الابداعية 4 مليارات ونصف المليار دولار أميركي (إحصائيات العام 2008)، وعزا التقرير هذا الارتفاع الملحوظ إلى إعادة تصدير السلع الابداعية من دول المنشأ بالإضافة إلى وجود مدينة دبي للانترنيت ومدينة دبي للإعلام، في حين تشكل صادرات دول عربية مثل المغرب ما قيمته 217 مليون دولار أميركي وتونس 262 مليوناً والسعودية 514 مليوناً ولبنان 278 مليوناً ومصر 703 ملايين. وتشكل الإمارات علامة فارقة في ملف الصناعات الثقافية والمعرفية، وهو واحد من أربعة ملفات تناولها التقرير السنوي، وهي (الصناعات الثقافية والمعرفية، اقتصادات المعارف العلمية والتكنولوجية، اقتصاد حركة التأليف و النشر في المشرق العربي، اقتصادات الإبداع).
شركاء النهضة
وقال الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي (لا نستغني عن شركائنا في النهضة سواء أكانوا أفراداً أم جماعات، إننا ندعوهم إلى الخوض في مثل هذا المشروع المعرفي، الذي لن يكتمل إلا بالمزيد من البحوث والدراسات العلمية المعمّقة). وأضاف الفيصل (المعرفة كما هو معروف تشمل جميع العلوم والأفكار التي تمسّ مناحي الحياة. ولعلّ ميزة مؤسّسة الفكر العربي أنها أصبحت تخوض في المظاهر المعرفية الجديدة، فكان أن أصدرت تقريراً مختصاً باقتصاد المعرفة اضطلع به أهل الاختصاص العلمي، حتى جاء على الصورة التي هي عليها، إن تقرير هذا العام مهمّ جداً وهو يستدعي اهتمام جميع المعنيين وعليه أرجو من كل وزراء الثقافة العرب ومعهم وزراء التربية والتعليم أن يولوا عنايتهم لهذا التقرير). وقد حضر حفل إطلاق التقرير معالي محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي، ومعالي عبد الرحمن محمد العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وسميح المعايطة وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام والثقافة، ورؤساء تحرير الصحف العربية الراعية للتقرير، ونخبة من المثقفين والباحثين والأكاديميين العرب وكبار الإعلاميين.
دروع تذكارية
ثم كرم الأمير خالد الفيصل رؤساء تحرير الصحف العربية الراعية للتقرير السنوي، وسلّمهم دروعاً تذكارية تقديراً واعتزازاً لرعايتهم، وللشراكة ما بين الثقافة والإعلام. حيث كرم الأمير خالد الفيصل الزميل ظاعن شاهين المدير التنفيذي رئيس تحرير صحيفة (البيان)، وسيف المري رئيس تحرير مجلة (دبي الثقافية)، وتركي السديري رئيس تحرير صحيفة (الرياض)، والدكتور إبراهيم بن أحمد الكندي الرئيس التنفيذي لمؤسّسة عُمان للصحافة والنشر والإعلان، وعيسى الشايجي رئيس تحرير صحيفة (الأيام البحرينية)، وخالد الحري رئيس تحرير صحيفة (الصباح المغربية)، وحاتم مؤمنة مدير عام مؤسّسة عسير للصحافة والنشر.
لننهض بلغتنا
وكانت قد أقيمت أمس في فندق جراند حياة دبي وقائع الاحتفال بمشروع إعلان "لننهض بلغتنا" الذي اضطلعت به مؤسّسة الفكر العربي، والذي يهدف إلى تعزيز اللغة العربية والإعلاء من شأنها ووقف تدهور استخدامها. وذلك بحضور الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسّسة الفكر العربي ووزراء الثقافة العرب وهم: معالي عبد الرحمن محمد العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ووزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام والثقافة الدكتور سميح المعايطة، ووزيرة الثقافة البحرينية ورئيسة الدورة الحالية لوزراء الثقافة العرب الشيخة مي آل خليفة، ونائب رئيس المجلس التنفيذي لليونسكو الدكتور زياد الدريس، ورؤساء المجامع اللغوية العربية، ورؤساء تحرير الصحف العربية، وحشد كبير من المفكرين والباحثين واللغويين والإعلاميين العرب.
رؤية مستقبلية
وجاءت مبادرة مؤسّسة الفكر العربي "لننهض بلغتنا"، التي أُتيح من خلالها لأهل العلم والرأي والخبرة، أن يضعوا رؤية مستقبلية لواقع اللغة العربية في المجالات كافة، والأمل بأن يتوافر لهذه الرؤية ما هو جدير بها من رعاية ومؤازرة على أعلى مستوى سياسي، لتكون في نهاية المطاف بين يدي صنّاع القرار التعليمي والتربوي والثقافي في دول الوطن العربي ليرتّبوا على الأمر مقتضاه.
استهل حفل الافتتاح الأمين العام لمؤسّسة الفكر العربي الدكتور سليمان عبد المنعم بكلمة رحّب فيها بالأمير خالد الفيصل ووزراء الثقافة العرب ورؤساء المجامع اللغوية ورؤساء التحرير الصحف العربية والحضور الكريم، وأشار إلى أن مشروع لننهض بلغتنا هو نتيجة جهد ميداني وبحثي ورؤيوي قام به لغويون ونخبة من رموز الفكر والإبداع، وعليه فهو مشروع يهمّ جميع العرب الحريصين على لغتهم وثقافتهم وحضارتهم وتراثهم وتاريخهم.
اللغة والهوية
الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسّسة الفكر العربي قال في كلمته بمناسبة إطلاق "لننهض بلغتنا": يُشرّفني أن نلتقي بكم في مؤسّسة الفكر العربي في هذا اليوم المبارك، وهذه الساعة التي تنطلق بها بعض مشاريعها الثقافية والفكرية التي تهمّ إنساننا العربي، وفي الطليعة بينها اليوم مشروع اللغة العربية وعملية النهوض به. وقال: اللغة هي الهوية، وقد قيل في الماضي إنَّ مَن لغته العربية هو العربي. ونحن اليوم بصدد هذه الهوية، راجين من الله تعالى أن تكلّل جميع الجهود في إنقاذ هذه اللغة، أو هذه الهوية، وفي ألّا تكون من اللغات أو الهويات المحكوم عليها بالانقراض. وأضاف: إنّ لغتنا هي لغة الضاد، ولغة القرآن الكريم، لذلك يجب أن يحافظ عليها كل عربي وكل مسلم، وإذا كنّا في الماضي نُحمّل الاستعمار ومشروعاته وزر إهمال هذه اللغة ومحاربتها، وكنا نتصدّى للأمر بكيفيات شتى، فإننا اليوم بصدد الخطر الأكبر على هذه اللغة في هذا الزمان، ألا وهي هيمنة الغرب على كل شيء عندنا.
مرحلة عصيبة
مضيفاً أننا نمر بمرحلة عصيبة خطيرة ولا بدّ من تضافر سائر الجهود للوقوف أمام هذا التيار الجارف الذي يكاد يقضي على لغتنا التي هي في المحصّلة هويتنا العربية. نحن في مؤسّسة الفكر العربي كنّا قد اقترحنا في أحد مؤتمراتنا السابقة في مدينة مراكش المغربية، مشروعاً يتعلّق بالنهضة الثقافية العربية وشراكة كل المعنيين بها، ولا نزال ننادي حتى اليوم، ومن خلال هذه المناسبة، بهذه الشراكة التي تخصّ لغتنا العربية وكيفية النهوض بها، خصوصاً بين سائر المؤسّسات والهيئات الفكرية والثقافية والتعليمية العربية. وعليه لا بد من عمل مشترك في ما بينها جميعاً يقوم على التكامل وليس التنافس، لأنّنا في النتيجة نودّ رؤية عملية جامعة هدفها إنقاذ اللغة العربية. ولعلنا في هذه الشراكة إنما ندافع عن اللغة والهوية أوالحضارة العربية.
أقوال واقتراحات عن حماية اللغة العربية
على هامش المؤتمر الخاص بالإعلان عن مشروع "لننهض بلغتنا"، الذي تبنته مؤسسة الفكر العربي، والذي عقدت جلسته أمس في دبي، استطلعت "البيان" آراء عدد من المشاركين في المؤتمر من رواد الفكر واللغة إلى جانب الإعلاميين، ومقترحاتهم حول مبادرة يسهل تفعيلها على أرض الواقع وتساهم في تعزيز اللغة العربية وردم الفجوة بين جيل الشباب ولغتهم. حيث قال ماهر المملوك رجل الأعمال الذي كان عضواً مشاركاً في مجلس إدارة المؤسسة خلال دورتين، "أود لفت الانتباه إلى اهتمام الغرب باللغة العربية منذ حادثة سبتمبر 2001، خاصة من الجهات الأمنية والخارجية والدبلوماسية. والكثير منهم بدأ بتعلم لغتنا، كما ساهم في تعزيز هذا الاهتمام النشاطات الفكرية والثقافية العربية التي دعي إليها العديد من الأجانب. وأبدى الدكتور إبراهيم بن أحمد الكندي الرئيس التنفيذي لصحيفة عمان غيرة على اللغة العربية وقال، "كان اهتمام القيادات العربية باللغة فيما مضى أكثر جدية، ونحن بحاجة إلى التعاون الإقليمي والعربي، وإلى قرار قيادي. الضرر الذي يلحق باللغة العربية من أهلها أكبر من الضرر الخارجي.
أما الدكتور والمفكر علي محمد فخرو الذي عمل وزيراً للصحة والتربية وسفيراً للبحرين وكاتب مقال اسبوعي في ست صحف عربية، فيتفق في الرأي مع الكندي حيث قال، "مفصل إشكالية اللغة في المدارس الأجنبية الخاصة التي يدرس فيها ملايين العرب والتي لا تأخذ اللغة العربية فيها حقها. وبالتالي يحرم الطلبة من مرجعيات المصادر الثقافية العربية الجوهرية. يكفي أن تشترط وزارة التعليم ألاّ يتخرج الطالب من مرحلة الثانوية إن لم يجتز امتحاناً وطنياً للغة العربية.
أما الإعلامي جهاد الخازن من جريدة الحياة فقال، إن الطموحات أكبر من القدرات، مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن ترجمة كل شيء إلى اللغة العربية. فيما قالت أمية سليم اللوزي زوجة الراحل سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة الحوادث في لبنان، "جميع الأسر تعاني مشكلة اغتراب أبنائها عن لغتهم، وهناك العديد من الأسباب منها الهجرة، وموضوع استقدام الخدم من جنسيات أخرى، إلى جانب العديد من العوامل السياسية".
اللغة مكون أصيل من مكوّنات هوية الأمّة
شدّد المجتمعون في ملتقى مؤسّسة الفكر العربي في دبي على أن اللغة العربية هي مكوّن أصيل من مكوّنات هوية الأمّة، ورمز خالد لانتماء أبنائها، وهي تمثّل ذاكرتها الثقافية والحضارية. وذكّر المجتمعون بأن التاريخ لم يسجّل نهضة علمية لشعب من الشعوب بغير لغته الوطنية، ما يجعل من اللغة العربية قضية أمن قومي بلا منازع، وأداة معرفية لا يمكن الاستغناء عنها في أي مشروع عربي للتنمية. كما ثمّن المجتمعون مبادرة مؤسّسة الفكر العربي في إنجازها مشروع "لننهض بلغتنا"، وقدّموا إلى المسؤولين العرب في شتى مواقع صنع القرار، وإلى المعنيين بشأن اللغة العربية وإلى عموم الرأي العام توصيات مهمّة جداً أبرزها السعي الجاد لاتخاذ سياسات لغوية مُلزمة مبنية على تخطيط لغوي شامل يهدف إلى إعلاء شأن اللغة العربية في التداول والتعليم، وإعادة الاعتبار إليها عن طريق القيام بمبادرات تشريعية وثقافية وتربوية واجتماعية وإعلامية ترعاها الحكومات العربية توجيهاً وتمويلاً.
18 ديسمبر يوماً عالمياً للغة العربية
ألقى نائب رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو الدكتور زياد الدريس كلمة أكد فيها الحاجة إلى حديث موجّه للعرب، وخصوصاً الشباب منهم لإقناعهم بأهمية لغتهم العربية، وعدم الخجل والتردّد في استخدامها في كلّ مكان، وتفكيك شعور هؤلاء الشباب بالفخر والتميّز عند استخدام اللغة الأجنبية في غير مكانها أو حاجتها. وأضاف: تشير كثير من مراكز الاستقصاء أن اللغة العربية هي الآن مع اللغة الصينية أكثر اللغات إقبالاً على تعلّمها من لدن الأجانب، وما انتشار معاهد تدريس اللغة العربية في الغرب والشرق إلا تأكيد على ذلك، داعياً إلى الاحتفال باللغة العربية التي نحبّها في كلّ من 18 ديسمبر، وهو اليوم الذي اعتمدته منظمة اليونسكو الشهر الماضي يوماً عالمياً للغة العربية، مشيداً بمبادرة مؤسّسة الفكر العربي التي نشهدها اليوم في إعلان لننهض بلغتنا، معوّلاً على البند الذي يدعو لإنشاء منظمة مستقلة تعنى بقضايا اللغة العربية على غرار المنظمة الفرنكوفونية، التي تخدم اللغة الفرنسية والناطقين بها من أهلها وغير أهلها.
حديث اللغة والشعر
الشاعر عبد المعطي حجازي دعا إلى العمل من أجل النهوض بالعربية، التي تكشف الآن أنها حصننا الباقي وملجأنا الذي نعود إليه ونجتمع فيه مهما اختلفت الرؤى وتعدّدت الطرق، إذ إننا باللغة لا نتواصل مع أنفسنا بل نتواصل مع غيرنا، وينبغي أن يكون هذا التواصل كاملاً. وأكد أن قضية اللغة هي قضية وجود، والوجود العربي في خطر لأن لغتنا في خطر، فنحن نعيش بلغتين وبعضنا يعيش بأكثر، وهكذا نحن منقسمون على أنفسنا نتخاطب بلغة ونفكّر بلغة ونتعلّم بلغة أو لغات أخرى.

