لينا هويان الحسن روائية سورية صدر لها أربع روايات: معشوقة الشمس، التروس القرمزية، بنات نعش، سلطانات الرمل. وسيصدر لها في بيروت رواية "ألماس ونساء". عن روايتها الأخيرة "سلطانات الرمل" وما أثارته بطلتها قطنة الكنج المرأة البدوية التي أشعلت حرباً حقيقية بين قبيلتين من خلافات على المواقع الاجتماعية وفي الصحافة العربية كان هذا الحوار:

في روايتك الأخيرة "سلطانات الرمل" طرحتِ شخصية إشكالية (قطنة بنت الكنج)، وهي شخصية بدوية نموذجية كأنَّها أسطورية. أهي حاجة اجتماعية أم للدفاع عن قيم الحب البدوية ؟

ليس جديداً على عالم الأدب أو الشعر أن الحب لدى البدو يُعتبر عالماً قائماً بذاته، والتاريخ العربي يشهد بذلك بزخم وقوَّة، وكل ما فعلته أني أعدت قطنة الكنج إلى الواقع عبر الكلمات والورق، ليرى العالم تلك الأنثى صارخة الجمال وابنة الصحراء كيف دافعت عن حقها بالوجود بإصرار وكبرياء وبأنوثة، إنَّها النموذج الموازي لهيلين التي تسببت بحرب طروادة.

في أغلب الروايات العربية المرأة ضعيفة ومستلبة. قطنة في روايتك استثناء. امرأة بدوية لكنها قوية كأنَّها من حديد ولكن بقيم فطرية. لماذا ؟

لطالما اعترضت على المرأة المطروحة بالأدب العربي وبأقلام نسائية بكَّاءة وندَّابة كتبن نصوصاً مهشَّمة بأظافر اللطم على الخدود. وهذا ما لا أرضاه لنسائي اللواتي اخترتهن من صميم الصحراء وبكامل عتادهن الأنثوي فعلن ما أردنه دون استرجال واستعداء للرجل. ولم أطرح قط المرأة التي تعتبر الرجل سبباً لمآسيها. برأيي الشخصي أنَّنا كلُّنا بشر وعلينا أن نتحمَّل نتائج أفعالنا وغرامنا وأهوائنا دون تحميل الغير للخيبات الكثيرة التي تضج بها الحياة. "قطنة الكنج" استللتها من التاريخ القبلي لتكون الأنثى التي تفعل ما تريد وتنتزع ما تبغيه دون رفع لافتة "النسوية أو الأدب النسوي".

كأنَّ قطنة شخصية واقعية ولو انَّها أسطورية كما في الرواية. أهو التخييل الذي حوَّل قطنة من واقع إلى أسطورة أم لضرورة جمالية؟

لا شكَّ أبداً في واقعية شخصية قطنة الكنج، ولا يمكن لأيِّ أديب مهما زعم أنَّه مبدع أن يخترع شخصية مثل قطنة الكنج، وغالب المستشرقين والرحالة الذين مرُّوا بالبادية الأردنية سمعوا بقصة قطنة ابنة شيخ عرب السردية وطراد الزبن شيخ بني صخر، ولهذا دوَّنتُ على غلاف الرواية العبارة الشهيرة التي قالها الأمير طلال أرسلان الذي رأى قطنة مرتين في عمَّان في نهاية القرن التاسع عشر. ولا أنكر دور التخييل في صياغة حكايتها أدبياً وهذا لابدَّ منه كضرورة أدبية لإعدادها كبطلة روائية. قطنة نموذج روائي كفيل بجذب أي قلم روائي وتحديه بنفس الوقت.

هل الحرب التي قامت بين قبيلة العنزة وبني صخر بسبب قطنة كانت ضرورة جمالية، أم تجسيدا لقيم بدوية ما تنفك تندثر. هل هو إحياء لهذه القيم؟

تلك الحرب الشهيرة والتي تعرفها كل بوادي الشام الموزَّعة حالياً بين سوريا والعراق والأردن، كانت حرباً لابدَّ منها، إنَّها حرب لها نكهة الدم والكثير من الدم، لم أخترعها أنا مطلقاً وكل ما فعلته أني أثرت غبارها مجدداً لأذكِّر بقيم لا تخلو من السحر والندرة وتستحق من الأدب اهتماماً يوازيها جمالاً واستثناء.

الحب في الرواية كان صهيله عالياً في البادية السورية لكنَّه مع رحيل العاشقين إلى المدينة كأنَّ الصوت خفت ؟

لم يخفتْ وحسبْ، إنَّما انتهى وولىَّ إلى غير رجعة، لأنَّ البدو الذين كتبت عنهم لم يعودوا موجودين بصيغتهم المطروحة في رواياتي. ولا أنكر ذلك من خلال "سلطانات الرمل" فبطل الرواية في نصفها الثاني طراد الدندل، لم أستطع حتى أنا التي اخترعته وأخضعته لمعايير التخييل الروائي، إنقاذه من التمزق العاطفي والوجداني الذي عاشه كل بدوي جذبه لمعان المدن، طراد البدوي المتعلِّم والمثقَّف وابن القرن العشرين بامتياز، بدا شخصية هزيلة بمقابل طراد الزبن شيخ بني صخر الذي شنَّ حرباً "نشان عيون قطنة". فليس كل الأبطال سواء حتى لو اخترعناهم.

قطنة الكنج وحمرا الموت وأحمد الموالي وطراد الزبن شخصيات في الحب والحرب لا تهادن شخصيات صدامية تعلن عن حبِّها كما عن كرهها وغضبها. لماذا هذه المباشرة؟ هل لأنَّها عواطف خالدة؟

إنَّهم الأبطال الذين أعدتهم إلى الحياة بغاية إحراج "الإنسان الجديد" المصنَّع من قبل التكنولوجيا الحديثة. فلنقل إنَّي أردتهم أحياء يثيرون غبار المعارك لأجل أهوائهم الشخصية على أوراقي ليعثر القارئ على ما قد يدفعه لتغيير ولو قليلاً- في منطقه الحياتي اليومي الذي غدا قائماً على مبدأ "التخلي" عن ذواتنا الداخلية لصالح مظهرنا الخارجي. إذن لماذا المهادنة؟ لا وقت لها، من عاداتي الروائية أن أمنح أبطالي كامل الوقت ليعلنوا حروبهم كما يشاؤون.