اختتمت مساء أول من أمس، في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية الندوة الفكرية (قراءات في فكر خلدون النقيب)، والتي استمرت لمدة يومين بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين الإماراتيين والعرب ، الذين تناولوا حياة وفكر النقيب الذي ساهم مساهمة كبيرة في الثقافة العربية المعاصرة.
جدل الاستبداد
حيث عقدت جلستان شارك في الأولى كل من د.جابر عصفور و د. فيصل دراج، وأدارها سعيد حمدان، وشارك في الثانية د. باقر النجار و د. صالح هويدي وأدارها عبد الإله عبد القادر، وقدم دراج ورقة بعنوان (جدل الاستبداد والتخلف في أعمال خلدون النقيب)، أشار فيها إلى أن خلدون النقيب ترك ملاحظات عن دور التراث في صياغة الحكم المستبد، لكنه آثر، في كتابه "الدولة التسلطية"، أن يتعامل مع المعطى التاريخي القابل للمعاينة، موحداً بين مظاهر التسلط المختلفة وطريقة الوصول إلى الحكم، التي أخذت في النصف الثاني من القرن العشرين أسلوب: الانقلاب العسكري. وإذا كان في المنهج الانقلابي، الذي يستمد شرعيته من القوة وحدها، ما يؤسس لنظام مستبد، فإن هذا التأسيس يظهر أكثر وضوحاً، لحظة الاقتراب من الأصول الاجتماعية للقوى العسكرية الانقلابية، التي ارتبطت، في معظمها بأصول غير مدينية، فقيرة في ثقافتها السياسية، وفي القيم اليومية التي تأخذ بها. ثم قدم الدكتور جابر عصفـور بحثاً بعنوان (الدولـة التسلطيـة والتخلف) عرج فيها على كتابات النقيب المبكرة حول التسلط وأشار أيضاً إلى النقاشات الفكرية التي جرت بينهما طيلة سنوات.
بيئة أرستقراطية
وفي الجلسة الثانية قدم الدكتور باقر النجار ورقة بعنوان (السياقات الفكرية والاجتماعية المشكلة لفكر خلدون النقيب)، معرباً فيها عن اعتقاده أن البيئة الارستقراطية التي ينحدر منها خلدون النقيب، قد شكلت جزءاً من شخصيته وطبيعته النخبوية. فهو سليل عائلة النقيب، أشراف بغداد والبصرة. والبصرة في فترات نشأته وقبلها كانت على الدوام حاضرة الخليج العربي، ومركز التقاء الشمال: بغداد وما يعلوها بالجنوب: الخليج والجزيرة العربية وبلاد فارس. وقد لا يمثل هذا الالتقاء تماساً جغرافياً أو اتصالاً بشرياً فحسب، بغية منافع وتجارة، بقدر ما مثلت البصرة بحاضرتها مركزاً لالتقاء الأفكار بالأعراق والمذاهب والأديان قبل أن تكون مركزاً لالتقاء البشر وتبادل المنافع. كما أنها بحالتها الحداثية وطابعها الحضري وقدم مؤسساتها وتعليمها قد مثلت مركز تأثير على سكانها تعاطت مع الأفكار والأطروحات القومية والاشتراكية، وتفاعلت مع حركات التحرر الوطني في الخليج والوطن العربي. هذه الحركات المطالبة بالتخلص من الاستعمار الأجنبي في الأربعينيات والخمسينيات.
الرأسمالية المعولمة
وفي ختام الملتقى كشف الدكتور صالح هويدي في ورقة بعنوان (قراءات في الفكر الاجتماعي لخلدون النقيب) عن حقيقة قالها النقيب إن الرأسمالية المعولمة عامة (وليست الأميركية وحدها) تغذي النزعة الاستهلاكية بين شعوب العالم الثالث، من دون أي اعتبار لقدرة هذه الشعوب على إنتاج ما يشبع حاجاتهم، ومن دون اعتبار (إلا بشكل جزئي)، لقدرتهم على شراء ما يستهلكونه. ويرى أنه جانب من جوانب تأثير الدعاية والإعلان على خلق وتنمية هذه الحاجات التي تغرسها فينا في شكل حاجات متخيلة إيحائية وزجنا في عالم الاستهلاك المتعي المحموم، بعد أن دللت صناعة الثقافة في عصر العولمة على ظهور نظام عالمي للمعلومات والتواصل، تسيطر عليه الرأسمالية في طورها المعولم. كما يفند الدعاوى القائلة إن انتشار وسائل الإعلام وثورة المعلومات سوف يؤدي إلى دمقرطة الثقافة، وإنها ستساعد على محو الأمية وعلى التنمية، مشيراً إلى أنها محض أوهام وأحلام لم تتحقق، لأن عدم التكافؤ في نظام العالم المعلوماتي الجديد هو صفة بنائية لازمة له، ومستقرة فيه.
