شارك الأديب المصري جمال الغيطاني، في ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أول من أمس، في ندوة تخصصية ، قدمها الأديب علي عبيد،عن "مستقبل الرواية العربية"، معتبرا أن صورة الرواية العربية لا تزال ناقصة، تبحث في استكمال ملامحها ضمن تداعيات الحراك السياسي العربي، ما من شأنه أن يشكل عنها، في اعتقاده، أدباً مختلفاً تماماً عما هو قائم حاليا، مبيناً أن آثارها بدت واضحةً عبر الانفلات الروائي الجريء، الذي فعّله الشباب من خلال شبكات التواصل الاجتماعي كمتنفس ضد الفكر الديني المتشدد.

والأديب الغيطاني صاحب رواية " الزيني بركات " أبرز الروايات العربية في طرحها لأوجه القمع والخوف، التي حملت بين طياتها مزايا الأدب المقاوم أو نقد المجتمع. هو مفكر بزغ نجمه في كنف ظاهرة الستينات، وعاصر الأديب نجيب محفوظ وغيره من أعمدة الأدب في مصر والعالم العربي. شارك في تأسيس تيارات وأوجه الكتابة الروائية الحديثة والكلاسيكية.

ظاهرة الستينات

تشعبت المحاضرة إلى عدة محاور تطرق إليها الغيطاني أبرزها ظاهرة الستينات ومفكريها الذين هم نتاج بيئات لم تهيأ فيها ظروف التعليم، ولكنهم ولدوا بهموم كونية، إضافة إلى شرح تفاصيل دراسة الغيطاني الأكاديمية لفن السجاد وربطها بعالم الرواية، لافتاً لدور رواية التسعينات وتنبؤاتها باندلاع ثورة يناير، وقصد بالثورة هنا كما أوضح:"الحراك الشعبي المصري في 25 يناير وقوفاً عند تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، وأن ما بعدها يظل بعيداً عن مفهوم الثورة". وجاء ترشيح الغيطاني نفسة لجائزة نوبل للآداب رداً على سؤال الحضور في الندوة عن ترشيحه لأسماء عربية تستحق الجائزة، قائلاً: " أرشح نفسي" إيماناً متجدداً مني بما قدمه للأدب العربي، مع إشارة منه إلى خلو الساحة الثقافية في المرحلة الحالية من روائيين سيخلفون نجيب محفوظ ، بالاضافة إلى بعض التحفظات على الأبعاد السلبية والايجابية لجائزة البوكر العربية.

همُّ كوني

عندما يتحدث أديب بمكانة جمال الغيطاني، بأنه لم يلد في بيئة ذات بعد علمي أو فيها مكتبة معنية بالأدب، لكنها تمكنت من خلق حالة اجتماعية وحراكاً ثقافياً، على مستوى الوطن العربي، فإنه ينسف بعض النظريات الحتمية في معادلات التنشئة الاجتماعية، وذلك في مسؤوليتها القائمة على تقديم منحى يرتقي بالفكر، وهنا تحديداً تأكيد بأن الذات الإنسانية تعد هي المبحث الأول في تملكها لإرادة الإقرار لتوجهاتها واهتماماتها. ودون إقصاء مطلق للبيئة المجتمعية، حيث يشي نموذج الغيطاني بأن تقاعس الحراك المجتمعي ليس عذراً لتخاذل البحث الفكري عربياً.

وقال الغيطاني في هذا الصدد:" مفكرو ظاهرة الستينات، حملوا هماً كونياً ومسؤولية مجتمعية، حيث لم ينشأ معظمهم في بيئة محفزة، بل في إطار مساهمات فردية ومنها مبادرات الأديب طه حسين في دعم تعليمهم، إلى جانب قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بمجانية التعليم في وقت لاحق". ولفت الغيطاني إلى اتجاهين أساسيين في الإنتاج الروائي ومنها أولاً: رواية نحو الحداثة في المضمون والشكل الفني للأديب صنع الله إبراهيم في روايته " تلك الرائحة " سنة 1964. وثانياً: رواية " الزيني بركات " سنة 1968 للغيطاني نفسه متمثلاً في الاتجاه النقيض المتمسك بأشكال رواية السرد العربي ، منوهاً أن ابرز ما في الاتجاه الأخير هو ذلك الاهتمام النوعي بالعمارة.

منصات تنبؤية

في زمن التكنولوجيا وزوال عهد الرقيب، يرى الغيطاني أن الحراك الأدبي يقترب إلى الانفلات الروائي، نتيجة الحراك السياسي المتشدد، وأوضح أنه ليس ضد أي نوع من الكتابة، ولكنه يؤمن بأنها ستلعب دوراً مغايراً ضد التعسف القصري للأنظمة المخلة بقوانين الحق في التعبير وتقرير المصير. وأشار الغيطاني إلى أن مرحلة الأدب في التسعينات شكلت منصات تنبؤية للثورة في مصر، مؤكداً أنه لا توجد إلى الآن نتاجات مثلت مرحلة الثورة الأخيرة بكامل ملامحها وتفاصيلها، متوقعاً بدء نضوجها في المستقبل القريب، وأن أغلب من كتب عنها، كان حباً للظهور.

الأديب النجم

وبين الغيطاني ،في هذا المحور، أن الإعلام المرئي ساهم في صناعة الأديب النجم، ومنظومة الكتب الأكثر مبيعاً وجميعها في نظره تحمل بعداً سلبياً في الإنتاج الروائي العربي. وفي جدلية موضوع الرواية الانتقائية والكاتب الجيد، اعتبر الغيطاني أن الحركة النقدية هي الأقدر على تجاوز إسقاطات الإعلام، بتقديمها للقارئ العربي إنتاجات شابة حقيقية، وإسقاط الضوء على كتابة نوعية، مقدماً مجلة " فصول المصرية " نموذجاً جيداً للطرح الأدبي بعد أحداث الثورة، وذلك بعد تصنيفه لصحيفة أخبار الأدب، الذي أسسها في 1993 وترأس تحريرها لسنوات، كأفضل المطبوعات التي تناولت أخبار الأوساط الأدبية والفنية.

«البوكر» تحت المجهر

 

وفي وقفة نوعية، قدم الأديب جمال الغيطاني وجهة نظره حول جائزة البوكر العربية، معتبراً أنها شكلت حراكاً وانتشاراً للإنتاج الروائي العربي، إلا أنه قدم تحفظاً على أنها وجهت الروائيين للكتابة من أجل الجائزة، مما يسبب إشكاليات في التقييم الموضوعي للروايات المرشحة، مؤكداً أن الإمارات تشكل قاعدة مركزية للثقافة في الوطن العربي بشهادات النشاطات والجوائز والفعاليات الثقافية.