اختتمت أول من أمس، ندوة الثقافة والعلوم في دبي، فعاليات احتفالها بربع قرن من العطاء الثقافي والفني في الإمارات، بأمسية حضرت فيها معزوفات البيانو ودندنات العود، وقصائد مستوحاة من كبار شعراء العالم العربي بعنوان "بالعربي".

أشعلت بها الندوة شمعة جديدة في دروب الحراك الثقافي، معلنة إضافة جديدة لأرشيفها الذي أكمل عامه الـ25، ومجددةً بها دور المجتمعات الأهلية والمدنية في تعزيز الفعل الحضاري، لمعطيات فكر الأفراد في التعاطي مع الثقافة كأسلوب حياة.

وشهدت الأمسية مشاركة مجموعة من الفنانين والعازفين من مركز البيانو التابع لوزراة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إلى جانب عزف منفرد على العود للفنان فيصل الساري، انتهت بمزيج شعري غنائي شارك فيه: الفنان حبيب غلوم والفنانة سمر نصر من سوريا والعازف والملحن الموسيقي خالد صلاح من العراق. وقدم الأمسية الإعلامي جمال مطر.

لغة للبوح

دائماً في حضرة الموسيقى والشعر، نتسائل كيف يمكننا أن نصور النغم، ونكتب الإحساس ونعيد دوبلاج المعاني عبر الكتابة الصحفية، يصعب أحياناً، ولكن يجوز لنا القول إنه يمكن، وذلك في حالة إيمانية للكاتب بأن الموسيقى والشعر كأمثال اللؤلؤ المكنون كائنات حية، تسري في دمها كما الإنسان مفاهيم العطاء ولغة البوح، فكم من أسرار استمعنا لها البارحة بمعزوفات طلبة مركز البيانو، وكم من أحاديث سرها لنا عازف العود فيصل الساري وهو يقول قبل أن يبدأ معزوفته: "هناك مقطوعات جلبتها لكم من بلاد أجدادكم الأندلس"، فعلياً الساري ليس وجهاً إعلامياً معروفاً محلياً كعازف من الإمارات.

والدليل أنه افتتح وصلته الموسيقية بمكاشفة أنها المرة الأولى التي يعزف بها في مدينة دبي، مما يجعلنا نبحث في أسباب ذلك، حيث يستشعر المستمع لأدائه في العزف بأنه باحث في آلة العود، واستطعنا قراءة ذلك من خلال إتقانه الانتقال بين النوتات الموسيقية الممزوجة بألحان من آلة القيتار لمعزوفات الفلامنكو وأصالة العود العربي، بين حولها الساري أنها نتاج أساتذة يعتز بهم، وأبرزهم العازف العربي والعالمي نصير شمة، مبيناً أن فن العزف محاولة أخرى للبقاء.

فراشة الوطن

دائماً نشاهد الممثل الإماراتي حبيب غلوم ممثلاً على شاشة التلفزيون، أما في الأمسية الختامية لندوة الثقافة والعلوم فشارك بلغة الشعر الفنانة سمر نصر والعازف والملحن خالد صلاح، لم يكن حينها غلوم مبتسماً كعادته، ولا مؤدياً يتقمص دوراً في مسلسل درامي، بل إنساناً يكتسي بلغة الضاد رسائل للعالم، من خلال قصائد مغن تبحث في قيمة الإنسان، وقال منها: مر الزمان.. وأجزائي مبعثرة.. فوق المحيط..

وما في الأفق مصباح.. وما للعروبة تبدو مثل أرملة؟ أليس في كتب التاريخ أفراح؟ والشعر.. ماذا سيبقى من أصالته؟ إذا تولاه نصابٌ.. ومداحُ؟ وكيف نكتب والأقفال في فمنا؟ وكل ثانية يأتيك سفاح؟.

وازى إلقاء غلوم، صوتاً نسائياً للفنانة سمر تغني بتلك القصائد، التي حملت لمعاني الوطن ألف سؤال وسؤال، ومنه: في هذه الأيام تخرج من جيوبنا فراشة صيفية تدعى الوطن، تخرج من قمصاننا مآذن.. بلابل.. جداول.. قرنفل.. سفرجل.. عصفورة مائية تدعى الوطن.

انتقل بعدها غلوم وسمر بألحان العازف خالد إلى مواجهة الذات أمام خذلان الإنسان لوطنه، ومن بين تلك الأبيات: "لا تخف إن تخلينا رجالاً ونساء، عنك في هذا العراء وتركناك وحيداً، تائه العينين في عرض السماء، نحن لسنا أنبياء قد ولدنا أغنياء ثم صرنا فقراء ثم أمسينا خواء، نعلن الشجب صباحاً ومساء.. نحن شعب فقد الوجه وإحساس الضمير".