" لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي".. عنوان الديوان الأخير للشاعر الراحل محمود دروش، وهي الرسالة العالمية الخالدة لكل الشعراء بأن القصيدة لن تموت، وأن هنالك عبر الشعر متسعاً جديداً للحب وعدالة الحياة، الحاضر دائماً في أغاني الأمسيات، مشكلةً منارة تضيء قلوب مستمعيها.
وفعلياً هذا المشهد بدى واضحاً أول من أمس، في أمسية جمعت 3 من نخبة شعراء الوطن العربي وهم: المنصف المزغني من تونس، وروضة الحاج من السودان وإبراهيم محمد إبراهيم من الإمارات، حلقوا خلالها في سماء ندوة الثقافة والعلوم، منظم الحدث، ضمن فعاليات احتفالها الاستثنائي بمرور 25 عاماً من العطاء الثقافي والفني في الإمارات، مؤلفين تناغماً لسيمفونية أبهجت الحضور، الذين تمنوا عبرها عودة متجددة لنجوم الأمسية، واستمرار النسيج الروحي بين كلمة الشاعر وإحساس المتلقي. وقدم الأمسية الشاعر طلال سالم.
قصيدة إنسانية
من الشاعرة السودانية روضة الحاج كانت الانطلاقة لربيع الأمسية في مقر الندوة بالممزر، بعنوان قصيدتها الأولى «في الطريق إلى الله». تحدثت فيها روضة عن تفاصيل البحث الكوني في العلاقة مع الإله، والبدايات المليئة بالأسئلة التي وصفتها بالظلال والتيهان وصولاً إلى منجى النور والضياء.
ومن بين تلك الأبيات: "في الطريق إلى الله.. لم أكن هذه البنت.. لم يكن عقل قلبي فصيحاً لكي أتبين ماذا يقول.. لم يكن قلب عقلي حصيفاً لكي اهتدي السبيل.. كنت في حاجة لفؤاد يعي.. كنت في حاجة للبكاء".
واستمرت روضة في سرد قناعاتها وأفكارها المستمدة من قوى الفكر الإنساني ودعمها اللانهائي للمرأة، في بيان حضورها ومشاركتها للرجل في صناعة التاريخ، وأن كلا الجنسين يملكان حق التعاطي مع الحياة في الاختيار والقرار، وأنهما مرجع هذا الأرض وضدان خروجوا للحياة لتأسيس مفاهيم الوحدة الحياتية، وهذه الاستدلالات يتوصل إليها المستمع في أبيات متفرقة من قصيدتها بعنوان "مالي أنا" ومنها: "قلبي على نون النساء" و"أنا لم أحبذ أن تكون حكايتي قدما على قدر الحذاء".
ثورة ثقافية
وفي الحديث عن الصحافة والأدب، تجدد الحوار مع روضة الحاج كونها صحافية وشاعرة، وتساؤلات حول تجربتها في المجالين، مبينة أن الصحافة مهنة تتطلب الدرس والتخصص، ولكنها تظل موهبة، لافتة أنه ليس كل خريجي الإعلام قادرين على التميز في العمل الصحفي.
لافتة أن دخول الموهوبين في مجال الأدب والفنون إلى عالم الصحافة يكفل لها الإثراء والتنوع، وخاصةً من يمثلون الصحافة الثقافية، وقالت في ذلك: "رغم ما تعانيه الصحافة الثقافية من مشكلات المزاجية للذين يعملون فيها، إلا أنها أبدعت أنماطاً نوعية في الكتابة الصحافية، ومنها على سبيل المثال ما انتجه كتاب السياسة، من خلال اقتبساهم للغة الأدب والشعر، وكأننا أمام ما يسمى بـالأدب السياسي، وجميعها تصب في صالح الذوق والجمال.
ومن جهة أخرى، اعتبرت روضة أن السودان تحتاج إلى ثورة ثقافية، لتعريف بمخزونها وكنزها الحضاري للعالم، معترفة أن الإعلام السوداني قصر أو لم يحسن التعبير عن تلك الإنتاجات الأدبية، وخاصة في مجال الرواية التي توقفت فيها الذاكرة العربية عند الطيب صالح.
قصيدة مغناة
أما الشاعر التونسي المنصف المزغني، فقد ارتحل بنا إلى عوالم القصيدة المغناة، مطرباً الجو العام في القاعة الخاصة بالأمسية، طارحاً عبرها نصائح لامرأة لم تعشق، ومقترحات للمجالس السياسية، والحب في زمن التفاصيل.
وتوجهنا له بالسؤال حول سبب تغنيه بالقصيدة أثناء إلقائها، موضحاً أنها حالة زارته بعد 9 سنوات من ممارسته لكتابة الشعر عبر قصيدة بعنوان: "هنا تونس النشرة"، ولاحظ بها ترنيمة خاصة، أسسه البناء الشعري للقصيدة، وذلك بأن تكون فيها القوافي غير ثقيلة.
مبيناً أن القصيدة تقول له غنيني، وليس هو من يفرض عليها طريقة في إلقائها، وبين أنه صبور مع القصيدة في كتابتها نصياً ونبرياً، مؤكداً أن النص يجب أن يصل الجمهور لأن القصيدة ستظل عارية من صوت الشاعر.
