دعونا نعترف بأننا لا نزال "نتحسس"،أو نصاب بشيء من الزعل الخفيف أو الغامض، إزاء النقد الموضوعي لأعمالنا الفنية، خاصةً إذا كنا مبدعيها. ومن وجهة النظر المطالبة بإعادة منهجية مؤسساتنا الثقافية والفنية، باعتبارنا مسؤولين نعمل فيها، مثلما نتحسس من ملاحظات عامة، يقدمها القراء، حول ما ينشر عن المشهد الثقافي إما بالكتابة عنه أو عرضه، عبر صحفنا وقنواتنا التلفزيونية، إذا كنا من القائمين عليها، مما جعلنا نلقي بتلك الآراء والمقترحات، جانباً، عبر السماح لأنفسنا كجهات معنية، معتمدين على آلية الحفاظ على العلاقات العامة كمصدر لبقائنا على رأس العمل الثقافي والفني المحلي، مروجين المجاملات، التي تعد العائق الأكبر أمام عجلة التطور النوعي للمجالات الثقافية والفنية بأنواعها في الإمارات.
حول أبرز أسباب هذه الظاهرة، بين عاملون في الحراك الثقافي والفني لـ " البيان " أن افتقادنا لسلطة النقد البناء لعب دوراً في تعزيز ظاهرة "المجاملة"، وتفاقمها، بينما يكمن علاجها الحقيقي في نشر الوعي بأهمية الثقافة النقدية بأسلوبها الحضاري، والتأسيس النوعي لها في مجمل وسائل الإعلام من خلال إصدارات متخصصة من قبل المؤسسات الثقافية، إضافة إلى الدور التعليمي في تأسيس النشئ، وتمكينه من القدرة التحليلية للمادة الدراسية، لا التلقينية، مؤهلاً بذلك جيلاً، يستوعب الحالة الثقافية كمرادفات قابلة للنقاش.
إجابة
لماذا هذا التشاؤم، لماذا الحديث عن التجربة الإماراتية، ومؤسساتها الثقافية بشيء من الظلم؟ ماذا يريد الكاتب من هذه المقالة أو تلك، وبيانه أننا لا نتقبل مساحة الحوار والحديث والتطوير؟ نحن نمتلك، فعلا نقديا، وازدهارا ملحوظا في القصة والرواية والشعر والموسيقى والدراما والمسرح، بل أن مؤسساتنا الثقافية سعت بكل قوة إلى تعزيز موقفنا الثقافي لهويتنا وتاريخنا وتراثنا. نتوقع أن يكون رد بعض المعنيين في موضوع ظاهرة المجاملة، وإعاقتها للحركة الثقافية قد يحمل جانباً متحفظاً حول الطرح على شاكلة التساؤل المقدم مسبقاً، ولكننا لا ندعو هنا إلى إقصاء الجهود التراكمية للفعل الثقافي الإماراتي، بل إلى البحث التأصيلي للتحديات الواقفة أمام ازدهاره وتنوعه وتوثيقه طالما أن الشكليات تحكمنا في الكثير من الأحيان، وخاصة في الحراك المجتمعي اتجاه الحالة الثقافية، فنحن مطالبون بإعادة توجبه الدفة والوعي بأهمية الطرح النقدي لإثراء الساحة وتنشيطها ورفدها بصناعة متجددة وفكر يبحث عن الابتكار لا الإبداع فقط.
قراءة وصفية
تعد وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع إحدى المؤسسات المعنية في توعية الحراك الثقافي اتجاه تعزيز التجربة النقدية وتأسيسها، وفي هذا الصدد، اعتبر بلال بدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أن ما يتم من قراءات لأورقة الأنشطة الثقافية والفنية المحلية ليس واقعا نقدياً، بل حالة وصفية للعمل الفني والنص الأدبي، مرجحاً أن الأسباب الرئيسية تكمن في غياب الوعي بأهمية النقد في فكر المبدع، والشللية القائمة على المحاباة، وتفضيل مدارس ثقافية معينة عند بعض النقاد، فضلا عن الدور الإعلامي الغائب المتمثل بأغلبية ليست مواطنة يطغى عليها صحافيون عرب يتجنبون النقد، ضماناً للوظيفة، وحفاظاً على توازن العلاقات مع مبدعي الثقافة والفن. وقال إن " ما يكتب عن الإبداع ليس نقداً فيه، وإنما عرضاً له، بينما تتحمل مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في تعزيز ثقافة النقد، وعلى رأسها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وغيره من المؤسسات الثقافية".
نص مدهش
"الناقد هو المسؤول الأول عن توجيه مضخة الدفع بالعمل الثقافي والفني في الإمارات"، شعار رفعته الأديبة صالحة غابش، المستشار الثقافي للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة، مؤكدة فيه أن تخوف النقاد أنفسهم من الطرح العلمي للعمل الفني هو السبب الرئيسي في تفاقم افتقادنا لهذه الثقافة محلياً. وبينت أنه صنع غياباً للنص الأدبي المدهش، معتبرة أن الفعل النقدي سر من أسرار البقاء للعمل الأدبي في الذاكرة الثقافية الإماراتية والعربية.
وأوضحت في سياق أسلوب النقد، أو ما يقال عن التقليل من شأن التجربة الثقافية الإماراتية، أو إقصائها عبر نقدها، أن هناك القلائل ممن يتبنون هذا التوجه في إقصاء العمل الفني المحلي، ولكن الرد الحقيقي من المبدع هو الإنتاج الابداعي، منوهة هنا إلى أنه يجب التركيز على مضامين أسلوب الطرح النقدي، الذي يغيب أحياناً، عن بعض الكتاب، معتبرة أن السعي لإلغاء أي فعل ثقافي أو فني، لا يعتبر نقداً، بينما سيجعل الوعي بكيفية الطرح من المبدع أو صانع الثقافة أكثر إيماناً بها.
المسرح نموذجا
المسرح المحلي نموذجاً لغياب تقبل الطرح النقدي، وعملياً هناك ما يسمى عادةً، بالندوات النقدية، في الملتقيات المسرحية الإماراتية، ولكنها تعتبر مساحة لقراءة العرض، وليس تقديماً علمياً للجوانب التقنية والفنية للعمل. ومثال المسرح في هذا البعد، أتى كونه الأكثر نشاطاً على مستوى الإنتاج الموسمي، والإصدارات النوعية، كما يكثر فيه المتخصصون، حيث لا تزال الحالة الثقافية فيه رهينة المهرجانات، والمناسبات السنوية،كما لم تتمكن الحركة المسرحية من تأسيس المسرح الجماهيري، الذي يلعب النقد العلمي جزءا حيويا في تنشيطه.
وفي هذا المحور، نفى ياسر القرقاوي، مدير الفنون الأدائية بهيئة دبي للثقافة والفنون،غياب النقد المسرحي، مبيناً أن المسرح يعد الفضاء الأكثر بحثاً في هذا المجال، لافتاً إلى أن وصولنا إلى مفهوم "الاحترافية" في المجالات الفنية والثقافية يلعب دوراً في القدرة على التفريق بين ما يسمى بالتغذية الراجعة للعرض المسرحي والنقد الحقيقي، وهو وعي تراكمي تكفله التجربة المسرحية المستمرة في الإمارات.
الاطلاع والتعلم
يشكل الأسلوب الثقافي والحضاري لعملية النقد الرافد الحقيقي للمبدع في صناعة متجددة تضمن مطالب المجتمع في تحقيق الاستمرارية والازدهار للحراك الفني والثقافي في الإمارات"، هنا تأكيد للفنانة التشكيلية نجاة مكي، التي ترى أن الوعي بالمخزون المحلي والشخصية الثقافية الفنية هو معيار الناقد الموضوعي،
إضافة إلى الدراسة الأكاديمية، وخاصة عندما نتحدث عن مجال الفنون التشكيلية، موضحة أن جيل الشباب اليوم عمد الكثير منهم إلى السفر والاطلاع على تجارب خارجية في أجواء صحية ساهمت في تعزيز ثقافة النقد، والرغبة في دراستها.
وأكدت أن أرقى مستويات النقد، ترى النور عندما تقدم منافذ أخرى للمبدع للاطلاع والاقتباس، وأضافت: " نحن مازلنا نتعلم ".



