يرى الحبيب السائح - روائي جزائري - ان الكتابة الجادة تقود إلى الاصطدام بالمؤسَّسة الاستبدادية.
ويعتبر الحبيب السائح من المداومين على المشاكسة في نقد بنية التخلف والاستبداد في رواياته، التقيناه في الجزائر وكان هذا الحوار التالي نصه :
خمسون سنة من استقلال الجزائر، ماذا أضافت الرواية إلى الحياة الجديدة - مابعد الاستقلال؟
كنت يوماً كاتباً شاباً. وكانت "الثورة"، على كل ما هو غير جميل وغير بانٍ، تحرِّكني من أجل تغييره. الكتَّاب الجزائريون الشباب، كما أعاينه في المشهد، ذوو مواهب وقدرات ومؤهلات لافتة جداً من خلال ما ينشرونه (في الرواية خاصة) لأن يعطوا الكتابة بالعربية في الجزائرية عمقاً إضافياً لتجربة الجيل الأوَّل المؤسِّس ولتجربة الجيل الثاني المستمرة. لذلك أعتبر كل كاتب، من هذا الجيل الجديد، يحمل مشروعَ كتابة إضافياً، هو بالضرورة إلى جانبي، أنا وبقية الأصدقاء من الجيل الثاني، في الحركية الأدبية الحاملة لزخم هائل من الطموح لابدَّ أن يُسند، بشكل نوعي، المجهود الروائي العربي في توسيع مجالنا ضمن المشهد الروائي العالمي.
إن كانت هناك إضافة، قدَّمتها الرواية الجزائرية المعاصرة ، فإنَّها هذا الإسهام الجبَّار في تكريس لسان جديد بلغة جديدة، وخلق ذوق إضافي، وتشكيل مقروئية مختلفة؛ بموازاة أو في تقاطع مع تقاليد الكتابة الروائية بالفرنسية في الجزائر. ومن هنا سيولد مايسمى الرواية المكتوبة بالعربية في مقابل الرواية المكتوبة بالفرنسية. واعتباراً إلى أن الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية ترتكز إلى موروث مزدوج: فرنسي كولونيالي، وجزائري جزائري (محمد ذيب, كاتب ياسين، مولود معمري, ولاحقاً رشيد بوجدرة) فإنَّ الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية كان عليها أن تستوعب ذلك الموروث المزدوج- شقَّه الجزائري جزائري حصراً- وأن تستفيد من المنجز العربي آنذاك، ومن المدرسة الروسية ـ السوفيتية خاصة.
مشروع الكتابة
قياساً إلى ماأنجزتَ من روايات، هل ترى أنَّك حفرت، علّمت، مثلما حفر وعلَّم كاتب ياسين والطاهر وطار ورشيد بوجدرة؟
لا أدري وحتى لو كنت أحسُّ بشيءٍ من ذلك فإنِّي لا أستطيع أن أؤكِّده. التاريخ الأدبي والنقدي والبحث الأكاديمي هما من بين الوسائط التي تكفل الإجابة عن ذلك، بالنظر إلى تجربتي ، غير أنَّه يمكن لي أن أقول إنَّ كل كاتب، مثله مثل كل الكائنات التي تسعى إلى البقاء، يحمي مجاله الحيوي مشروع كتابته: لغته وفلسفته ووسائل إنجازه وأساليب تدخله في الحياة العامة وفي السياسة. إنه بذلك يعلّم على حدوده ، ويحفر لأثر مروره في الزمن الذي كتب له أن يعيش فيه, ليكون ذلك علامة أخرى على الإسهام في الجهد الإنساني نحو الرقي.
وأعتبر أنَّ تجربة "زمن النمرود" (1985)، بما ترتب جرَّاءها من مضايقات لي خلال صدورها وبعد منعها، كانت هي بداية ذلك الحفْر. ذلك، لجرأة اللغة التي كتبتُ بها النص، وللتيمة "المحظورة" في زمن الحزب الواحد- نقد سياسة النظام.
وبنص "ذاك الحنين" (1997) سيبدأ التعليم على مجالي في المشهد السردي؛ بحيث بدأ مشروعي ارتكازاً على الكتابة ضد نصوصي التي تسبق نصي الجديد؛ تفادياً لتكراري. وضد كتابة كل كاتب آخر؛ وعياً مني بأهمية الإضافة والتجاوز. أمَّا نص "تلك المحبة" (2002 ـ 2007) فكان أرضية ذلك المشروع؛ بما وافرتُ له من خيارات على مستوى اللغة (لغة اللغة كما أسميها) وفي طريقة السرد المسائِلة لمنبع هذا البهْر في سردنا العربي المخترق لكل المتون النثرية (القرآن، الحديث، السير، الفقه، القصص، الرحلة، ألف ليلة وليلة...). وتأسيساً على هذا ستظهر أيضاً نصوص "تماسخت" (2002 ـ 2012) و "مذنبون..لون دمهم في كفي" (2008) و "زهوة" (2011) وكلها روايات مفارِقة لبعضها في أسلوب السرد، وفي البناء، وفي التيمة، كما في الاستعارة والتركيب النحوي.
مسؤولية اخلاقية
هل تعرَّضت للمضايقة وهل اصطدمت بالسلطة لان كاتبا لا يصطدم مع الاستبداد لماذا يكتب؟
الصدامية غالباً ماتكون مفروضة على الكاتب إنْ لم تكن قدرَه! إنَّه، وللمسؤولية الأخلاقية التي يتحملها بكتابته يجد نفسه:أولاً، في مواجهةٍ مستمرة مع ذاته في أن لا (تنكبح) عما لا بدَّ من الشهادة عليه، للتاريخ وللضمير البشري، وكلَّما كان هناك خرقٌ لحق الإنسان وسلب لحريته ومساس بكرامته. وثانياً، مع المؤسسات بمختلف أنواعها وتَراتُبها، القائمة على تغريب المواطن؛ كما هي غالباً الحال للأسف في عالمنا العربي. فكل كتابةٍ، لغرض شريف وجود الإنسان ومصيره، تجدُ نفسها بالضرورة في سياق مؤدٍّ إلى الاصطدام بالمؤسَّسة الاستبدادية أياً كانت طبيعتها. إنَّ الكاتب، لذلك، ينشئ ما يكشف عن الحماقة البشرية ويشهد على الظلم. تلك قناعتي الشخصية؛ فإني لا أحب أن تكون كتابتي إدانة.
تراجع العقل
أنا لا أحاول استفزازك ولكنَّ ماهو معروف من المثقف ان يكون مع المشروع النقدي العقلي لهدم حصون الطغاة في الرواية، أو تكون ضد إنسانيتك؟
أنت، يا صديقي، منذ البداية، وعلى هامش هذه المحاورة، لا تنفك تفعل لأنَّه صادر من همّ حقيقي بمآلنا الوجودي في عالم، بقدر ما نحسه يتسع عند "الآخر" بقدر مانجده في واقعنا يضيق بنا. إنَّها عبثية تخصنا نحن العرب! أقدِّر أنَّ لسيادة الطغيان، في تاريخنا المعاصر، سبباً مؤلماً جداً: إنَّه تراجع العقل. لك أن توافقني على أنَّ جميع الأمم التي بُعثت من رمادها ـ ونحن مازلنا نحترق بما تشعله فينا أيدينا ـ إنَّما أعادت صياغة مشروعات سياستها واقتصادها وثقافتها ولغاتها وفنونها على أساس العقل؛ بدءاً بالمدرسة كمؤسَّسة قاعدية لتنشئة إنسان كفيل بتمثل المنجزات العقلية واستخدامها في حل مشكلاته؛ جميع مشكلاته.
وهنا نقول: ما أبعد نظامنا التعليمي، نحن، عن العقل! إنَّه محنتنا في فقدان الوسائل الكفيلة بهدم حصون الطغاة، كما تقول. وهذا يدفعني للتساؤل: ماذا تفعله الرواية، إذاً، لوحدها برغم نوايا الروائي العربي الطيبة والإنسانية، وبرغم إعلاناته ومواقفه الصارخة أمام مظاهر الطغيان والفساد، إن كان الإنسان العربي لا يقرأ، ما دام نظامنا التعليمي يغرّبه عن فعل القراءة؟.
رواية معاصرة
اكد الحبيب السائح انه لابدَّ من التنويه بأنَّ عمر الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية لايتجاوز الأربعين سنة؛ بالنظر إلى أنَّ أوَّل نص روائي جزائري معاصر لم يصدر إلا في عام 1974. فإذا ماأخذت هذه المدة، وقيست بالتراكم الذي حصل خلالها، وجب القول إنَّ ذلك كان شيئاً كبيراً كبر أحلام الاستقلال.
ذلك، لأنَّكم تعرفون أنَّ اللغة العربية، في الجزائر، لم تكن هي لغة التدريس ولا الإدارة ولا التعاملات. ففي أقل من عشرية، على تاريخ الاستقلال، ستؤسس رواية جزائرية معاصرة (على يد عبد الحميد بن هدوڤة والطاهر وطار).
وبدءاً من تاريخ التأسيس سيظهر جيل شاب (سيطلق عليه جيل السبعينيات) يكتب أصلاً باللغة العربية. إنه جيلي!
