"بكتب محو من ريحه، جود مرضي يشفيه، دفنوني في طريحه، وإلا يانب حوييه"، كلمات رسمت ابتسامة لطيفة على وجوه الشعراء والأدباء والمتذوقين للشعر في الجلسة المسائية في ندوة الثقافة والعلوم بدبي أول من أمس، بعد إلقاء الأديبة رفيعة غباش للبيت الشعري السابق لإحدى قصائد الشاعر حسين بن ناصرآل لوتاه شارحاً بها رغبته الشديدة في البقاء قرب الحبيب بصناعة ( محو ): "تقليد قديم يستخدم للعلاج من الأمراض" مستخلص من مرضه هو، ومدى إمكانيته في علاج الحبيب، مطالباً بعدها بدفنه إما في مقبرته أو بجانب ساحة بيته.

جاءت مداخلة غباش رداً على القضية الجدلية في الاحتكام الأخلاقي لقراءة الإبداع الأدبي، والتي طرحت في مناسبة حفل توقيع إصدار" أنغام من الوجدان" ،للأديب عبد الغفار حسين، الذي أكد أن معيار القصيدة يبقى في جماليات عفوتيها وتحررها من المعايير الأخلاقية، بدواعي أن كتابة الشعر ينتهي بجفاف الصحيفة أو الورقة المدون عليها، وترفع عنها الأقلام الداعية بأهمية الالتزام الجاد والتربوي في الطرح، وذلك لأن ازدواجية الطرح الأخلاقي طوال مراحل تطورها عبر العصور لم تمتلك تعاطياً موحداً في مختلف الحضارات بين البشر.

متذوق خاص جداً

في سياق "مختارات من الوجدان" وسبب اختيار شعر الفصحى دون العامي، بين عبد الغفار حسين أن للعربية الفصحى رنينا خاصا، وهو ما أعتاد على قراءته منذ الصغر، وقال حول ذلك: " قرأت ديواناً كاملاً ولم ألتفت فيه لشيء، وقرأت آخر وإذا بي أعجب ببيت واحد، في الحقيقة مختاراتي احُتكمت بعين متذوق، وددت مشاركة الجميع في مطالعتها ودراسة فحواها". وأضاف عبد الغفار حسين أن "البعض يعتقد بأن مهمة اختيار القصائد سهلة ويستطيع الجميع ممارستها، وهي فنياً تحتاج إلى حدس خاص واشتغال متكامل للحواس لمفهوم القصيدة".

لا يسمى فناً

ونالت الجلسة المسائية نصيباً من قضية الأخلاق والأدب، نتيجة ما احتوته الرسالة المفتوحة في مقدمة عبدالغفار حسين للكتاب ومنها استشهاده لقول أحد النقاد: " إن الفنان لا يمكن أن يوصم من الناحية الأخلاقية بالذنب أو الجرم، حتى ولو كان فنه هابطاً في الدرجة الأخلاقية،لأنه كفنان لا يعمل ولا يفكر بقدر ما يعبر، وإن فناً يتعلق بالأخلاق والمنفعة وحدها لا يسمى فناً".

ولفت عبد الغفار حسين إلى أنه من الصعب التمسك بمسألة الأخلاقيات أو ما يسمى بالثقافات السائدة في توجيه الفن، لأنه بطبيعة الحال سيؤثر في تحديد مواهب المبدع في كل المجالات، منوهاً إلى أن التراث العربي مليء بإصدارات لا نستطيع في الوقت الراهن تداول مسميات عناوينها، لأنها مصنفة على أنها تخدش الحياء العام، ومن أبرز الأمثلة مؤلفات لـجلال الدين السيوطي، الذي اعتبر بمكانة الشافعي الثاني قدراً وتجليلاً، إلى جانب المطبوعات القديمة لـ "ألف ليلة وليلة"، فهي أيضاً تحتوي على ما لا يتناسب في أبجديات الثقافة السائدة في بعض المجتمعات بمفهوم أخلاقياتها، ولكنها تظل مرجعاً أدبياً أثرى الخيال الإبداعي عالمياً.

 

أبعاد ثقافية

 

تزامن حفل توقيع " أنغام من الوجدان " مختارات شعرية مع انطلاق الحلقة الأولى من برنامج "أبعاد ثقافية" على قناة سما دبي الفضائية، كجزء حيوي من أهدافها في تعزيز محتوى الإعلام المرئي بقيمة ثقافية فُقدت لفترة طويلة عن شاشة القنوات المحلية، وهي خطوة باتجاه تعريف المشاهد بالأنشطة الثقافية في الندوة وما سيتجدد في أجندة المؤسسات المعنية بالحدث الثقافي في الإمارات.