تحت عنوان "شجرة العائلة"، تقدّم الفنانة اللبنانية ريم الجندي جديدها التشكيلي في معرض يقام حالياً وحتى نهاية نهاية الشهر الجاري في "غاليري جانين ربيز" في محلة الروشة- بيروت، وهو معرض لافت بفكرته، إذ تروي الجندي (مواليد بيروت 1965)، بالرسم، تاريخ عائلتها وشجرة هذه العائلة المتحدّرة من جذور إسماعيلية وعثمانية ومن جذور منخرطة بالثورة العربية.

وبصياغة لوحة غير تقليدية، وبسخرية تلتقط أدق الأحاسيس وتكثفها رسماً تلتف فيه على الكلام حول الذات، تكشف ريم الجندي أكثر وأكثر، في 30 لوحة من قياسات مختلفة، عن دفاترها الخاصة، وعن كيفية تكوين العمل، حيث يبدأ الأمر بضرب من الفوضى وردود الفعل، وكأن الرسم جزء أساسي من يومياتها: غضب وإمحاء وتدمير ذاتي، وملامح لأقنعة ووجوه بدائية تضربها بألوان عنيفة لتحقيق أحلام أبعد من إلزامات الواقع، وبحثاً أبعد من الذاتية إلى هوية ثقافية، وكأن في معرضها هي فعلاً ردّة فعل، بحثاً في الزمن والتاريخ والحضارات والذات الشخصية والهوية الثقافية والآخر.

أما الأشخاص في لوحاتها، فيبدون وكأنهم يطيرون في فضاء، أو يتعمشقون بأغصان بالكاد يراها زائر المعرض بالعين المجرّدة.. حكايات عائلية طريفة ومتنوعة، حيث لكل جنس شجرته وحكايته وهويته في تصريف مفردات الحياة. وبين طيّات الحكايات، تبدو الشجرة المقياس الأساسي في غالبية اللوحات، كأنها بدايات التسلسل العائلي ووسيلة للتواصل بين الأفراد: هنا شجرة للحياة، وهناك شجرة للعصافير، وهنالك شجرة لأحد القدّيسين، وصولاً إلى أشجار أخرى، حيث نجد الأم ترضع ابنها في فيء شجرة عملاقة.

وفيما تقدّم الجندي شيئاً من المبتكر المزاجي وشيئاً من النماذج التي تخلط بين الوهم والأسطورة والمقدّس والمشتق من الطبيعة في حالته الواقعية ومظهره الخام والبدائي، ثم توسّع "بيكارها"، فتتناول مواضيع اجتماعية وإنسانية، ضمن الرؤى العائلية، فإنها تجعل من أشخاص لوحاتها ملامح أيقونات في البنى اللونية المحرومة كالأرض وصولاً إلى لمعة الضوء والهواء. مع الإشارة إلى أن الأيقونة موجودة في لوحتها، لكنها، في أي حال، تلاعِب الأيقونة، أي أنها تستخدم شكل الأيقونة، من دون أن تقف عند حدودها، فالأيقونة هنا تحمل حركتها، وتعيش واقعنا، وتؤشر إلى أحداث لها زمنها ووقائعها.

وإذ تتجرّأ على الإفصاح، وبمزاج حاد، عن أسرار صغيرة وكبيرة: أسرار الجد، هزيمة الأب، طيران الابن العنيد، حفيد الإمبراطورية وحقبة العائلة الكبيرة، فإن العنف، ربما، هو الذي بثّ الحركة في اللوحة، بل حرّك الأيقونة نفسها، وجعل الفنانة تهتم بالخطوط، بل بحدّة هذه الخطوط وصرامتها، التي تجعل الشكل أكثر بروزاً، حتى إن عدداً من شخوص اللوحات بدت كأنها منحوتة نحتاً.

متناقضات

تجمع ريم الجندي في معرضها وتمحو، تسكن وتضطرب، تفرح وتحزن، تعتمد على المفاجأة الضوئية في الألوان التي تستخدمها، ترسم وتتسلّى وتلهو وتقدم إغراءات بصرية للمشاهد، ثم تذهب أبعد من المباشرة إلى تجريب فني تأويلي وبانفعالات عفوية حيناً وانفعالات حادة أحياناً أخرى بين حدَّي الإفصاح الشديد والوضوح وبين الغموض البعيد الإحساس.