ناقشت ندوة استضافتها مكتبة جمال بن حويرب بدبي مساء أول من أمس تحت عنوان "تاريخ جبل علي، وسبب التسمية" تعدد الآراء في موضوع تسمية هذه المنطة من دبي، ومصادر استلهام هذه التسميات وجذورها على مر التاريخ، وقدم بن حويرب شرحاً مفصلاً عن طرق رواية التاريخ وتوثيقه وتمييز صدقه من كذبه، مستشهداً بآراء ابن خلدون في هذا المجال. وطرح جملة القوانين التي تتحكم برواية التاريخ لأن عدم الالتزام بها من شأنه أن يؤدي إلى تشويهه، ومن ثم تلفيق حقائقه بسبب الجهل، حيث من الممكن أن تدون وقائع التاريخ بصورة خاطئة.
شارك في الندوة، التي أدارها الشاعر جمال بن حويرب، كل من الأديب والكاتب عبد الغفار حسين، وحسين لوتاه، مدير عام بلدية دبي، وخالد الكمدة مدير هيئة تنمية المجتمع بدبي ، وسعيد النابودة مدير هيئة دبي للثقافة والتراث بالانابة، ود. صلاح القاسم المستشار في الهيئة نفسها، ود. شهاب غانم وغيرهم من المهتمين، بينما من المنتظر أن تعقد المكتبة جلسات أخرى حول ـأسيسي ميناء جبل علي وتاريخ المنطقة.
توثيق للتاريخ
وتحدث عبد الغفار حسين عن أن البعض يلجأ إلى التهويل والتفخيم وإضفاء الهالة من خلال عملية التوثيق، مؤكداً أن الإنجليز، بفضل رؤيتهم التوثيقية، عملوا على توثيق تاريخ الإمارات العربية المتحدة وتاريخ بعض البلدان العربية، حيث دخلوا الإمارات عام 1820. وهذا التسجيل لتاريخ الإمارات موجود في وثائق الخارجية البريطانية، ويتم الكشف عنه كل عقد أو عقدين من الزمن ما عدا الوثائق التي تشكل خطراً على أمنهم القومي.
كما أشار إلى عبثية إضفاء الهالة على تاريخنا أو تاريخ أي بلد، لأن الولايات المتحدة لم يكن لها تاريخ قبل مائتي عام، ولكنها سيدة العالم حالياً. لذا لا يوجد في ذلك نقيصة أو نكوصاً عن ركب التاريخ البشري كما يعتقد البعض، على حد تعبيره.
وطرح بن حويرب مخاطر الاستعانة بمن ليست لديه ملكة علم التاريخ ولا يفهم اللهجة المحلية وليس من جنس القوم الذين يراد تسجيل تاريخهم الشفوي، لأنه يحتمل الأخطاء من خلال تكرار أقوال الرواة وتباينها وإضافات بعضهم لها من التوابل والزيادات والخرافات والأكاذيب.
ثم عرج على تسمية جبل علي، موضوع الندوة، حيث أشار إلى أن تأسيس هذا الميناء العظيم هو أحد مآثر الشيخ راشد، هذا الرجل الذي سبق عصره في رؤيته لما يمكن أن يكون عليه هذا الميناء، الذي أصبح وجهة للتجارة العالمية. وقال:" نحن هنا لا نريد أن نتحدث عن تاريخ جبل علي كميناء عالمي بقدر ما نريد التركيز على سبب تسميته".
الخيال الشعبي
من جانب آخر، تساءل عبد الغفار قائلا: "ما الذي يجعلنا نتحدث عن جبل علي؟ هناك تسمية تأتي من الخيال الشعبي، القائلة بأن الأمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قد مر بالمنطقة وسكن فيها لفترة من الزمن وهو في طريقه إلى عمان إلى أن عاد إلى العراق، حيث طبعت قدمه في الصخر، الأمر الذي ينافي للحقيقة، لأن هذه الشخصية البارزة في الإسلام وأحد الخلفاء الراشدين، لم تزر المنطقة، ولم تأت كتب التاريخ على ذكر هذه الحادثة، بينما ذكر التاريخ أنه خرج من الحجاز إلى اليمن".
وأوضح الأديب أن أهمية جبل علي بدأت عام 1937 حين وقع الشيخ الراحل سعيد بن مكتوم ، رحمه الله، مع شركة بترول العراق عقدا للتنقيب عن النفط هناك، وكان المندوب رجل إنجليزي مسلم اسمه عبد الله وليامسون، حيث يعتقد أن الاسم نشأ من قول الناس جبل عالي، أي مرتفع، إلى أن أصبح جبل علي، وكان الغواصون أول من يرونه من البحر أثناء عودتهم من رحلات الصيد هو هذا المكان المرتفع، وكانوا أيضا يغوصون الغوص الأصغر، الذي يسمى القحة، قربه.
وهناك شيدت شركة النفط ما يشبه (الكامب) كسكن للموظفين، لكنه لم يكن اطلاقا مكانا للجيش البريطاني، ومن قال ذلك فقد اختلط عليه الأمر.
وأضاف عبد الغفار حسين:" زرت تلك المنطقة صغيرا عام 1946، حيث جاء الإنجليز بشاحنة (لوري) وكنا تقريباً 40 شخصاً لكي نشاهد لأول مرة الصور المتحركة على شاشة سينمائية. وكان الشيخ الراحل راشد بن سعيد حاضراً. هذه بدايات نشوء جبل علي، كما شهدتها بنفسي".
وهناك روايات أخرى منها ما يقول إن البدو كانوا يضعون الجمال والغنم في حظائر كان المسؤول عنها راعي اسمه علي"، كما روى حسين لوتاه، مدير عام بلدية دبي، بينما قال بن حويرب إن "هذا الجبل يسمى الجبيل وينطق بلهجتنا (اليبيل) تصغيرا للجبل، وقد روى لي الوالد محمد بن سعيد الطاير وأخوه عبيد و فرج المحيربي وغيرهم أن أحد أهالي دبي كان قادما من مكان بعيد فرأى جبيلا يشبه جبل علي ففرح به، فلما رآه وعرف أنه ليس في دبي قال متحسرا على أنه لم يصل بعد :
شفت الجبل ينزو لي
واتحسّبه "لجبيل"
برٍّ عساه يزولي
ما في تبعه حجيل
تخمينات
وأضاف بن حويرب إن "هناك من يقول إن الاسم منسوب إلى رجل يسمى علي بن صالح المنصوري، حيث لا يزال أحفاده على قيد الحياة، وقد بقي في هذه المنطقة زمنا وكان يتردد على غاره الذي يسمى غار "الضبعة". ومنهم من يقول إن الحجاج قديما كانوا يسافرون إلى مكة عن طريق دبي،
وهناك من بينهم رجل اسمه علي بقي فترة وسكن في هذا الجبل. وهذه كلها عبارة عن تخمينات وخرافات لا أكثر والأقرب للصواب أنه سمي لعلوه وارتفاعه، والله أعلم".
وقد طالب جمال بن حويرب بتشكيل لجنة عليا في دولة الإمارات للتوثيق والتأكد من كل ما يُنشر في مجال تاريخ دولة الإمارات في صحفنا، لأن ما ينشر اليوم يصبح وثيقة تاريخية للأجيال المقبلة.
التلة الميناء
من قرية صغيرة منزوية على تلة رملية تطل على البحر إلى أكبر ميناء في الشرق الأوسط، يقف جبل علي، أو مرصد علي، كما يطلق عليه الناس، إلى جانب كبريات المناطق الحرة مثل جبل طارق وبور سعيد وموانئ عالمية شهيرة، بعد أن كان جسرا لتجارة اللؤلؤ في العالم والتوابل من الهند وبقية أنحاء العالم، يقارنه العالم بسور الصين العظيم وميناء هوفر دام، وهي ثلاثة معالم يمكن رؤيتها من القمر، وبالفعل يبدو جبل علي لؤلؤة نائمة على حافة البحر.
