"نسي الطين ساعة أنه طين حقير، فصال تيها وعربد، وكسى الخزّ جسمه، فتباهى وحوى المال كيسه فتمرد"، أبيات من الشعر مأخوذة من قصيدة للشاعر إيليا أبو ماضي تتحدث عن مفاهيم التراب والحياة استوحتها مسرحية " الطين " لفرقة المسرح الحديث، معلنة حواراً يبحث في مسألة سلطة الأب وأبدية اظطهادها للأبناء. وذلك من خلال إيقاعات موسيقية بحرية متناغمة استخدمت فيها جرار فخارية، وقدم عبرها مخرج العمل فيصل علي، والمؤلف محمد صالح، سيمفونية فلسفية لمعادلة ألوان التراب وعلاقتها بالذات البشرية عبر صراع جمع بين أب وابنته، في عرض مسرحي شاهده الجمهور ونقاد المسرح والإعلاميون على خشبة مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون بمول الإمارات، مساء أول من أمس، ضمن فعاليات مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته السادسة.

سر الطين

التقاء روحي جمع بين الممثلين ريم وفيصل علي، الشخصيتين الرئيسيتين في العمل، تقمصا فيه دور الأب، الذي يعمل في صناعة أواني فخارية، وبين ابنته المضطهدة. حيث قرر الأب أن يحبسها في منزل الوعي بأن التقييد وسيلة للحياة، بينما قررت هي الزج به في مقبرة الدعاء له بالموت، دون أن تنوي ذلك. وفي الخلف صدحت موسيقى بحرية حيّه، اتسمت بانسيابية متقنة تخللت الحراك التصاعدي للنص والشخصيات في العمل. وتضمن العرض أداء نوعيا لمرحلة الطفولة والانتقال عبر ذاكرة التاريخ من قبل الشخصيتين، انتهى بتصادم الابنة مع أبيها بحثاً في احتياجها للحرية والمال والزواج، بعد مرحلة من الاضطهاد في عمق جسد الأسرة المبتورة عن ضلعها الثالث وهي الأم. وقام الأب وابنته بكسر متعمد للجرات الفخارية الموزعة في فضاءات المسرح في كل مرحلة تحولية للحدث، وكأنه مسخ تدريجي لفطرة العلاقة الأبوية انتهت بموت الأب وانهيار الأبنة.

عرض متكامل

اتفقت مجموعة من النقاد والإعلاميين المشاركين في الندوة التطبيقية لمسرحية "الطين" أن العرض بدأ متكاملاً ومتماسكاً، وخاصةً التناغم الموسيقي الذي صاحب العرض، إضافة إلى الجانب الإيجابي للعفوية والتلقائية، التي ظهرت في أداء الممثلين على الخشبة. إلا أن التحولات في الشخصيات كانت تحتاج إلى مزيد من المبررات الواقعية، ومنها، على سبيل المثال، مشهد انهيار الأبنه في نهاية العرض لوفاة والدها، معتبرين أن ردة فعلها غير واقعية كون البنت كانت تتوق للخروج والحرية وموت والدها فرصة لذلك، وأن حزنها عليه لم يكن منطقيا. والذي تسبب في طرح مسألة الوهم في المعالجات الإخراجية والبناء الدرامي للشخصيات كقضية أساسية في الندوة.

وذلك باعتبار أن الوعي بتفاصيل واقعية وموضوعية لمخرجات العمل، وتقديمها للجمهور هو المحكم الرئيسي. بينما نُظر إلى الملمح التشكيلي في سينوغرافيا العمل كونه فعل حرفي، قارب بين المدرسة الواقعية والتعبيرية. وتم التطرق إلى أطروحة قدمت في العرض بشكل غير مباشر ولم تكتب لها الاستمرارية في المعالجة المسرحية وهي مسألة متعلقة بجنسية الطين، الذي خلق للمكان جغرافيا، باعتبار أن الأم أجنبية كما أوضح العرض المسرحي مسبقاً، ليأتي السؤال في مدى إمكانية استيعاب هذا المزيج بين جنسيات الطين المختلفة؟

 

مقترح منهجي

 

 

قال المسرحي والممثل عبدالرحمن العقل إن أزمة المسرح الشبابي في الخليج وليس الإمارات فقط، تكمن في عدم تفعيل دور التأسيس الأكاديمي في داخل المهرجانات المسرحية، وذلك في أن يقدم الشباب نصوصهم الأولى وهي بالنسبة لهم محاولات، ويسمح لشباب آخرين بإخراجها وهم في مرحلة إعداد وتقديم تجارب، وهذا ما لا يسهم في إحداث تطور ملموس في العمل المسرحي، مقدماً اقتراحاً موضوعياً في أن يتم تحديد منهج مدروس لمسرح الشباب تحت اشراف متخصصين وأكاديميين، تستثمر فيه نصوص ورؤى إخراجية متقدمة ومتماسكة في المعالجة والطرح ويعرضها الشباب في المهرجان لينتقلوا من خلالها إلى حرفية تكفل لهم كتابة نصوص وإخراج أعمال تتكامل في أساسيات العمل المسرحي.