افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الليلة الماضية بمتحف الشارقة للفنون بمنطقة الشويهين معرض بلاد الشام، الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بالتعاون مع إدارة متاحف الشارقة.

حضر الافتتاح سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة، وسمو الشيخ عبدالله بن سالم بن سلطان القاسمي نائب حاكم الشارقة.

وقد قام صاحب السمو حاكم الشارقة فور وصوله إلى موقع فعاليات المعرض بالتجول بين ردهاته وتفقد محتوياته، التي جسدت الحوار الحضاري بكل أبعاده الراهنة والمستقبلية.

ويضم المعرض 171 لوحة منفذة بالطباعة الحجرية والأعمال الطباعية البارزة أبدعها أكثر من 30 رساماً من بلدان أوروبية عدة.

كما يصاحب المعرض ندوة فكرية موازية للمعرض تحت عنوان " الاستشراق الفني في بلاد الشام " بمشاركة مجموعة من الفنانين العرب.

وقد رافق صاحب السمو حاكم الشارقة خلال جولته في المعرض كل من الشيخ عبد الله بن محمد آل ثاني رئيس دائرة الطيران المدني بالشارقة والشيخ خالد بن عبد الله القاسمي رئيس دائرة الموانئ البحرية والجمارك والشيخ سلطان بن أحمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للإعلام .

والشيخ خالد بن صقر القاسمي رئيس دائرة الأشغال العامة والشيخ محمد بن عبد الله آل ثاني مدير عام مركز الشارقة للإحصاء والشيخ خالد بن عصام بن صقر القاسمي مدير عام دائرة الطيران المدني والشيخ سالم بن عبد الرحمن القاسمي مدير مكتب سمو الحاكم والشيخ زايد بن سلطان بن خليفة آل نهيان.

كما حضر افتتاح المعرض معالي عبدالرحمن محمد العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ومحمد جمعة بن هندي رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة وعبد الرحمن بن علي الجروان المستشار بالديوان الأميري وراشد أحمد بن الشيخ رئيس الديوان الأميري بالشارقة .

وأحمد محمد المدفع رئيس غرفة تجارة وصناعة الشارقة وسالم عبيد الحصان الشامسي رئيس المجلس البلدي لإمارة الشارقة وعبد الله بن محمد العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام وجمال الطريفي المستشار بمكتب سمو الحاكم ومحمد ذياب الموسى المستشار بالديوان الأميري.

والدكتور عمرو عبد الحميد مستشار صاحب السمو حاكم الشارقة لشؤون التعليم العالي والبحث العلمي وعدد من رؤساء الدوائر الحكومية وعدد من أعضاء المجلسين التنفيذي والاستشاري لإمارة الشارقة وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي العاملين لدى الدولة وهشام المظلوم مدير إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام وجمع غفير من ممثلي وسائل الإعلام المحلية والعربية والمهتمين والفنانين من داخل وخارج الدولة.

جولة معرفية

وتعتبر زيارة المعرض بمثابة جولة في المعرفة التاريخية البصرية لمرحلة زمنية تعود إلى القرن التاسع عشر، لكل من فلسطين، التي أخذت الحيز الأكبر من زيارات الفنانين المستشرقين نظراً لكونها مهد الديانات، ولبنان، وسوريا والأردن.

يشعر الزائر حينما يطالع معالم من بلده من ذاك الزمن، بالدهشة والإعجاب خاصة في ظل غياب المشهد التاريخي البصري من ثقافته، آخذين في الاعتبار ظهور الصورة الفوتوغرافية في مرحلة لاحقة.

ومجموعة لوحات المعرض بمثابة بانوراما جمعت بين مشاهد الطبيعة إلى فنون العمارة وآثار الحضارات القديمة في تلك البلدان، والفلكلور. وعلى الرغم من صغر أحجام بعض اللوحات التي تصل إلى قياس مساحة الكف، إلا أنها تزخر بالتفاصيل الدقيقة.

ويتجلى في اللوحات افتتان الفنانين المستشرقين وفي مقدمتهم الفنان السكوتلندي ديفيد روبرتس "1796- 1864"، الذي تميز بغزارة انتاجه في المنطقة بعد زيارته لها عام 1839، حيث بدأ برسم ما لا يقل عن ثماني لوحات لقمة جبل موسى ودير القديسة كاترين المبني على قمة شاهقة الارتفاع من الصخور، ويليه الفنان هـ بارتليت، الذي حقق حلم روربرتس في زيارة سوريا، والفنان تيرنر، الذي تميز بقدراته في رسم النور والبحر.

أماكن تاريخية

ركز الفنانون في لوحاتهم على الأماكن التاريخية، والمدن المهمة لهم، إما بدافع ديني، أو لارتباط تلك الأماكن بحروبهم الصليبية سواء إبان الحكم العثماني أو حضارات ما قبل الإسلام، مع توثيق العديد منها كحضارة البتراء الكورنثية، والقلاع الصليبية والإسلامية كقلعة صلاح الدين الأيوبي في مدينة حلب.

وتمثلت جماليات اللوحات في أسلوب الفنان بالتقاط زاوية ومنظور المشهد، والمهارة في الرسم الطبوغرافي لجغرافية المكان وعمارته، بكل تفاصيلها الدقيقة من التيجان والأعمدة الحجرية إلى نقوش البوابات الخشبية.

وكانت مدينة القدس وبيت لحم وصيدا وصور ودمشق وعكا والخليل بمقام إبراهيم عليه السلام ومقام زكريا، والمسجد الأقصى وكنيسة المهد، ومنبع نهر بردى وبحيرة طبريا ووادي سلوان، من الأماكن البارزة في العديد من لوحاتهم.

كما نشاهد أزياء الناس من النساء والرجال في المدن والمناطق الصحراوية، كزي بدوي من حوران بكافة عتاده، والحجاج خلال سفرهم، وشيخ الكتاب وتلامذته، وبعض الحرف اليدوية.

الاستشراق الفني بين الرومانسية وحقائق التاريخ

 

تناول المشاركون في اليوم الأول من ندوة «الاستشراق الفني في بلاد الشام»، التي أقيمت صباح أمس في مقر دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، عدة محاور حول مضمون فن الاستشراق والطباعة الحجرية «الليثوغراف» التي نفذت بها الأعمال المعروضة.

أما المحاضرون الذين شاركوا في هذه الندوة التي أقيمت على هامش هذا المعرض، فهم الفنان الدكتور ياسر الدويك من الأردن، والدكتور سامي بن عامر من تونس، والدكتورة مهى عزيزة سلطان من لبنان، وعبد الله أبو راشد من فلسطين، وأدار الجلسة الدكتور عبد الكريم السيد المقيم في الإمارات.

«البيتوريسك» والاستشراق

قدم الدكتور الدويك فيلم فيديو تم تصويره خصيصاً للندوة، ليستعرض من خلاله تقنية استخدام الطباعة الحجرية بكافة مراحلها، والتي كانت تستخدم في القرن 19 وحتى يومنا هذا.

أما الدكتور سامي بن عامر، فتحدث عن قيمة وجماليات لوحات المعرض التي تندرج تحت مصطلح «بيتوريسك» مع مقاربة تحليلية نقدية، انطلاقاً من مرحلة رومانسية المستشرقين، حيث وجد الفنانون الرومانسيون في الشرق مناخاً روحياً وتخيلياً بعيداً عن التيار الكلاسيكي المرتبط بالعهد القديم.

وأوضح خلال استعراضه لتاريخ المستشرقين الذي تعود بدايته إلى ما قبل حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، مدى اهتمام الفنانين الرومانسيين في الغرب بعالم الشرق من خلال معايير فن «البيتوريسك»، التي تعتمد على إثارة الدهشة والتوق إلى المجهول، واكتشاف أمكنة وثقافات غير مألوفة، والتباين في الجماليات بين التناقض في الخامة وكسر الإيقاع المنتظم، وتطرق في نهاية ورقته إلى المفكر الراحل إدوارد سعيد وتحليله لمفهوم الاستشراق بكافة أبعاده.

اقتناء عربي

تحدثت الدكتورة مهى عزيزة سلطان في ورقتها عن أهمية تلك اللوحات الفنية التي وثقت جزءاً من تاريخ وثقافة وأزياء وطبيعة المكان في بلاد الشام، اعتماداً على التجربة الحية والمعاشة، بعيداً عن تجربة فنانين آخرين اعتمدوا على المخيلة في رسمهم لبلاد الشرق.

وأشارت إلى أن معظم أعمال المستشرقين دخلت، بعد ظهور فن الحداثة في الغرب، عالم المزادات ليقتنيها عدد كبير من الحكام العرب، نظراً لقيمتها التاريخية والتوثيقية.

كما أشارت إلى أن مرحلة دخول الفنانين المستشرقين إلى بلاد الشام بدأت بعد الاتفاقية التي أبرمتها فرنسا وإنجلترا مع الباب العالي عام 1838 بشأن الانفتاح التجاري على الغرب.

وبينت أن رومانسية بعض المستشرقين كانت بدافع نزعة عاطفية لتحقيق الذات والتعرف إلى عادات وتقاليد يتجاوز عمرها 4000 عام، بينما استعرضت أهمية رحلة بعض الفنانين مثل ديفيد روبرتس وبارتليت، ولامارتين.

الاستشراق كظاهرة

أما عبد الله أبو راشد، فقد تحدث عن الاستشراق بوصفه ظاهرة إنسانية مركبة، تحتمل العديد من الدراسات والقراءات التحليلية الجديدة المفتوحة على الفكر والمعرفة والتاريخ والدين والبعد الحضاري، ضمن مفهوم حوار الحضارات.

وأشار إلى أن الاستشراق وليد فكر سياسي استعماري اقتصادي يبحث عن النفوذ والثروات الطبيعية في أرض الديانات، تحت راية التبشير والتنصير والاستعمار.

وأشار إلى الفارق بين الفنانين المستشرقين الفرنسيين، الذين كانوا يعتمدون على الخيال الرومانسي، وبين الفنانين الإنجليز الذين كانوا أقرب إلى الواقعية التسجيلية في أعمالهم، حيث ساهموا في رسم ذاكرة المكان في بلاد الشام.

كما أكد أن مرحلة الاستشراق حملت الكثير من الإيجابيات إلى جانب السلبيات، حيث تم اكتشاف حجر الرشيد، وفك الحروف الأبجدية الهيروغلوفية، وغيرهما من اكتشافات.