يرجح النقاد في عالم الرواية، عادةً، أن ميزان العمل الأدبي الحقيقي ليس في لعبه دوراً اجتماعياً أو ثقافياً أو توجيهياً أو نقدياً للمجتمع، وإنما لاستفاضته الكاملة لتفاصيل تجربة إنسانية قادرة على أن تخلق لنفسها حالات إنسانية في أكثر من بعد، وتعمق اتصالها مع القراء ببعد عفويتها بدافع من الخيال الإبداعي، والمزيج الواقعي، مكونةً أحياناً ما يسمى التمرد، الذي اتخذ أخيرا أشكالاً متنوعة في الإنتاج الأدبي للروائيات الإماراتيات، الأمر الذي أكدته الأديبتان فتحية النمر وآمنة المنصوري.
وذلك لجهة أن مفهوم تمرد المرأة في أعمالهما يعد بحثاً في حقوقها الإنسانية، وكيفية المطالبة بها، وحدود تلك المطالب، ساعين بذلك، إلى إعادة اكتشافها لذاتها، وتفعيل حراكها المجتمعي في الإمارات. جاء ذلك في احتفاء نسائي بالمرأة في الرواية الإماراتية، عبر ندوة بعنوان : " الروائية.. خصوصية المرأة "، التي نظمتها رابطة أديبات الإمارات، أول من أمس، في مقر المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة. وقدمتها الأديبة الإماراتية صالحة عبيد.
شخصية الروائيتين
حضر الندوة مجموعة من الكاتبات الشابات، والقاصات المبتدئات، ما يشكل حالة صحية تثير السؤال حول الشخصيات الروائية في المشهد الثقافي الإماراتي، ومدى قدرتها على صياغة منولوج خارجي يختزل مجهودها الأدبي في تحقيق القراءة بشكل أساسي، والتحريض المشروع لمواهب وليدة تصنع تجاربها. وفي اللقاء النوعي للندوة، شهدنا فعل الإلهام، بين الحاضرين والروائيتين، والذي اتخذ من تحقيق الحراك المجتمعي محوراً رئيساً، ليكون جواباً عملياً حول ما أوضحناه مسبقاً، في تمثيل الكتابة الروائية، صوتاً يبعث في صداه تحقيقا نوعيا يثري كينونة المرأة في الإمارات.
وجودية الكاتب
بدأت فتحية النمر بشرح حول كتابة الرسالة الرسمية، لنفسها ولمعارفها، تلك التي ترسل للمؤسسات، ما شكل لديها، في ما بعد، بانوراما ليوميات وثقتها في قصص قصيرة وصل عددها إلى ما يقارب 1000 رسالة، متتابعة، تحمل أفكاراً وأمزجة حياتية، شقت طريقها إلى الرواية، وأسست عبرها ولادتها الأولى "السقوط من أعلى"، و رأى منها البعض سيرة ذاتية، وآمنت هي أنها جرأة واضحة لواقع الحرمان العاطفي، باعتبارها معضلة عالمية، وليست خصوصية عربية فقط. واعتبرت أن دراستها للفلسفة وعلم النفس تأسيس أكاديمي لم يتدخل في توجهات النص الأدبي لديها، ولكنه يبرز أحيانا في تلك المعالجات الدرامية في سيرة الشخصية الرئيسة في العمل، موضحة أن الكتابة مرآة المشروع والهاجس، والتوقف معناه الفقدان الوجودي للكاتب، وهذا ما يثبت إنتاجاتها الروائية المتتالية.
أنشودة حب
أما آمنة المنصوري ، فقد عاهدتنا، في مستهل حديثها، على ترويض لسانها، وتسييسه في ما قل ودل، ولكنها انجرفت كعادة الروائي في تفاصيل نسجت عبرها روايتها، التي لم تنشر بعد، فهي لا تملك حس الكتابة فقط، ولكن تعمل على إشعال حواسنا الخمس، وقالت: "رائحة العطر، في عمر المراهقة، الذي لا أزال أحتفظ به، ودندنات العود، التي لم أر ريشة عازفها، وقصاصات المنفلوطي المحروقة والمشقوقة لجارنا المصري، وصورة أبي الذي منعني من الدراسة، في البداية، ومن ثم دخلتها، بمساعدة الجيران، وكنت من المتفوقات، ليهديني والدي بعدها ديواناً شعرياً لشاعرنا سالم الزمر، عاكساً مشهداً لسيلان ماء، بعد حادثة انهيار سد ، أجرف مطراً، انتهت برواية " عيناك يا حمدة "، التي وصلت اليوم إلى طبعتها الخامسة، وأراها أنشودة حب عذري في مرحلة الثمانيات".
هامش آخر للحياة
في إطلالة نوعية، وفي خضم التساؤلات بعد انتهاء الندوة، صرحت الشاعرة الإماراتية كلثم عبدالله، عن أول مشروع روائي لها "هامش آخر للحياة"، تحمل فيه المرأة التقمص التام، للشخصيات الرئيسة، والأحداث. والعمل الأدبي نتاج عملها في قسم شؤون المرأة، في ديوان حاكم دبي، على مدار 13 سنة، عايشت فيه عن قرب، المعاناة اليومية للمرأة، في أوضاعها المعيشية المختلفة: المطلقة والأرملة واللقيطة، وغيرهن، وهي عبارة عن قصص حقيقية، أخذت إذن صاحباتها بنشرها وكتابتها، وبيان كيف يمكن لهذه المرأة التي تعتبر قلب دائرة الأسرة، أن تبني حياة متكاملة بعيداً عن الرجل، الذي سيظهر بشكل هامشي في روايتها.
