يحرص القائمون على المؤسسات الثقافية والفنية في الدولة على توسيع رقعة روادها من خلال تنويع فعاليات هذه المؤسسات وضخ مزيد من الخبرات والامكانيات فيها، ومع ذلك، فإن ارتياد الأماكن الثقافية العامة بات يقتصر، في كثير من الحالات، على المناسبات والفعاليات، فتبدو هذه المؤسسات خاوية وربما مغلقة في الأيام التي تخلو من الفعاليات، بينما يؤثر روادها والجمهور العريض عموما اللقاء في المقاهي والأماكن العامة على اللقاء فيها مع أنها معدة لهذا الغرض وعلى نحو جيد لا تنقصه الامكانيات والتوجهات، الأمر الذي يطرح على بساط البحث العديد من الأسئلة حول أسباب هذه الظاهرة وكيفية تجاوزها باتجاه جذب مزيد من رواد المؤسسات الثقافية.

التقت" البيان" عددا من العاملين في المؤسسات الثقافية في الدولة وطرحت عليهم هذه القضية ، فأثنوا على وجودها مقلبين أوجهها، باحثين في أسبابها، التي تتأرجح بين كثرة هذه المؤسسات وعدم التنسيق فيما بينها وانهماك الناس في حياتهم اليومية من بين أسباب أخرى.

عزا محمد الصلاقي مدير ندوة الثقافة والعلوم عدم الاقبال على المؤسسات الثقافية إلى الطابع النخبوي والمتنوع لها، حيث لم يعد هناك مؤسسة ثقافية عامة تضم كافة أوجه الثقافة، بينما أكد حاجة هذه المؤسسات إلى تجديد الدماء فيها من خلال الرهان على توسيع رقعة مشاركة الشباب. ولذلك تسعى الندوة إلى استقطاب أعضاء جدد من الشباب، ولتحقيق هذا الغرض عقد اجتماعات مع طلبة الجامعات والمهتمين بالمسرح والسينما والاعلام، وقد ضم هؤلاء الشباب إلى عضوية لجان الندوة ، التي تطرح استمارات عضويتها في كل مناسبة وتسعى إلى إعادة الأعضاء المنقطعين، كما أدخلت وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، بينما كانت قد دعت منذ ثلاثة أشهر إلى اجتماع تنسيقي جمع مختلف المؤسسات الثقافية في الدولة.

بينما يرى محمد عبدالله البريكي مسؤول بيت الشعر في الشارقة أن للمؤسسات الثقافية دورها الهام في النهوض بمستوى الثقافة من خلال خطط وبرامج مدروسة ترتبط بالمكان وأنظمته وبالمثقف وظروفه، وتحاول من خلال هذين الارتباطين التوفيق، ففي الجانب الرسمي هي مرتبطة ارتباطاً إدارياً بالمؤسسة أو الهيئة التي تتبع لها، مما يجعلها ملتزمة بساعات العمل الصباحية من أجل إنهاء الأمور التي تتعلق بالتنظيم وما يرتبط به، أما ارتباطها بالجانب الآخر فهو على حساب أوقات إضافية يرتبط بها العاملون في هذه المؤسسات من أجل إنجاح الفعالية، فمعظم الذين يرتبطون بهذه المؤسسات من مثقفين وشعراء وغيرهم هم من الموظفين. أضف إلى ذلك أن المثقف الذي يتعامل مع مؤسسة ما ربما لا يكون من نفس المكان الذي تقع فيه المؤسسة ، لكن هذا لا يعني عدم التفكير في إيجاد وسائل يلتقي من خلالها المثقفون ، كأن يكون هناك صالون أو مقهى ثقافي دوري .

ثقافة

ويرى العسم أنه " هناك من رأى بأن الثقافة عبث، فانكفأ، وهناك من رأى بأن الثقافة لا تمد الإنسان بالمال فعافها، وهناك من يرى بأن الإبداع يقصر العمر فذهب إلى التسلية واللهو والمقاهي"، بينما يشير العسم إلى أن بعض المثقفين الذين يجلسون في مقصوراتهم الخاصة لا يعجبون إلا بأنفسهم، فراحوا يهملون أنفسهم وواقعهم وعلاقتهم بمجتمعهم. ويحمل العسم المؤسسات الثقافية والمثقف مسؤولية هذا الواقع الثقافي، لكنه يعتبر أن المثقف هو المسؤول أولاً وأخيراً باعبتاره صانع الحراك.

القاصة أسماء الزرعوني ترد ظاهرة عدم الاقبال على المؤسسات الثقافية إلى عوامل كثيرة أولها كثرة المؤسسات الثقافية، وعدم التنسيق فيما بينها، وظروف العمل والوظيفة وضيق الوقت وتوزعه على العمل الوظيفي والاهتمامات الثقافية وشؤون الأسرة، وزحمة الطرق.

كما أشارت أسماء الزرعوني إلى عامل آخر يتعلق بمضامين الفعاليات الثقافية، التي ترى أنها تفتقر أحيانا لما هو جديد وكذلك إلى عنصر الجذب، لكنها عبرت كذلك عن سعادتها بهذه المؤسسات، معربة عن أسفها من أن الجيل الجديد لا يمتلك ما يكفي من الوعي بهذه المؤسسات، ألأمر الذي يتطلب رفع شعار: " إذا كانوا لا يأتون إلينا، فلنذهب نحن إليهم" وذلك عن طريق تغيير الأمكنة التقليدية التي تجري فيها هذه الفعاليات وعقدها في الأماكن العامة على غرار ما حدث في ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي.