لحظة، الموضوع هنا، يحتاج إلى سرد تفاصيل قصة، بدأت في عام 1940، منذ ولادة الفنان التشكيلي الإماراتي علي بن ثاني. وهو يتعلم كيفية صناعة رصاصة "التفق" البندقية، من والده، ومشاركته أيضاً لركوب البحر، والزراعة. ثم السفر للدراسة في القاهرة ودمشق، متلقياً فيها فنون الخط العربي في ستينات القرن الماضي، والعودة من جديد للتدريس.

مما يجعلنا نستشف المخزون النوعي، الذي تقدمه البيئة، من ثراء، يؤسس مخيلة نابضة، تستطيع صناعة رسومات واقعية، نوهت عن تجربة فنية، ابتدأت منذ ولادته، وعادت اليوم بعد 20 عاماً من التوقف. أثار معها ملف عودة الفنانين الإماراتيين المتوقفين، وأهمية ارتباطهم بالنشاط الثقافي المحلي.

في الحقيقة، تم اللقاء مع بن ثاني، في معرض له، تم استضافته في ندوة الثقافة والعلوم بدبي. وكان الرسام مع أسرته يلتقطون صوراً جماعية، أمام لوحاته، ويعبرون عن سعادتهم بعودته لفنه، بعد انقطاع طويل، فعلياً المشهد يجعلك تسأل نفسك، في أهمية توثيق هذه المرحلة الإنسانية والثقافية، من عمر الحركة الفنية في الإمارات، ويشغلك في البحث عن حيثيات تشكل الفنون في الفترة ما قبل الاتحاد.

علاقة خاصة
"نحن من منطقة المعيريض في رأس الخيمة، وكنت أعمل مدرساً في مدرسة الخران فيها، بينما أكملت دراستي في دبي"، فقط.. عندما أخبرنا بأنه من هذه المنطقة في إمارة رأس الخيمة، يتشكل في الأذهان، البعد الثقافي لـ بن ثاني، كون منطقة "معيريض" بالذات، تحمل عراقة خاصة، لتلك الإمارة الشمالية، المطلة على البحر.

وفي غمار الأسئلة مع بن ثاني، أخرج من جيبه، صورة فوتوغرافية لأحد أفراد عائلة تريم عمران تريم، مؤسس جريدة الخليج عام 1970، قائلاً: كان صديقاً عزيزاً علي، ورسمت له صورته، وأظن أنه لا يزال يحتفظ بها في بيته. طلبنا منه أن ينقلنا بين كل لوحة ولوحة، ويخبرنا عن علاقته الخاصة بها.

توقف عند إحداها، ووضع يده عليها، صمت برهة، ثم قال: انظروا هنا دمشق، تلك هي الأبنية القديمة، هذا ما تذكرته، ودونته بألواني. ثم تحرك قليلاً إلى الأمام، وإذا بلوحة، رسم فيها ثلاث نساء، يرتدين الجلابية المصرية، ويحملن الوعاء المخصص لتعبئة المياه، في تلك الفترة. وهنا يقول: إنها أم الدنيا، درست هناك فنون الخط العربي، في معهد الفنون بالزمالك، فعلياً هذا ما تذكرته، وقمت برسمه عن مصر.

الواقعية
فعلياً لوحات بن ثاني، تتسم بالواقعية في طرحها، والأمر هنا طبيعي، كون الاحتكاك النسبي للفنان، اقتصر على فترة السبعينات والثمانينات، الذي اكتسح فيها التوجه الواقعي، مكانة مرموقة وازدهاراً عربياً، خلاف المدارس الأخرى، وبين بن ثاني أنه كان يتبرع بمجموعة كبيرة من لوحاته في الأعمال الخيرية، وأن استقالته من التدريس في التربية، ليمارس الفن بشكل كامل.

وفي هذا المقام، يجدر بنا الحديث عن ابنته الفنانة التشكيلية ناعمة بن ثاني، كونها قدمت دعماً، لعودته من جديد للساحة الفنية. والتفسير البحثي عادة، لا يدعم فكرة أن الموهبة تورث، ولكن في معتقد النشاط الإنساني، أن التأثير النسبي يلعب دوراً في تشكل التوجه العام، لدى أحد الأبناء في اتباع تجربة والديهم. وشارك علي بن ثاني مع ابنته ناعمة، منذ عامين مضيا، في مرسم مطر بن لاحج. وتكمل ناعمة اليوم بنفسها العمل في المجال، أمام توهج الحركة التشكيلية الإماراتية.

تجربة النقد
في ابتسامه عريضة، بينما كنا نلتقط له مجموعة من الصور، ذهب بنا الفنان التشكيلي علي بن ثاني، إلى الناحية الجنوبية من المعرض، أين وضعت ندوة الثقافة والعلوم، مجموعة من لوحات "البورتريه"، وبين لنا وهو يسرد قصة اللوحة التي أمامه، بأنه ناقد، ومتذوق للفن، لافتاً أنها حالة طبيعية، بعد تجربة يعيشها الفنان مع نماذج الرسم، أن تنتج لديه، رغبة في رؤية الأشياء، واكتشاف أبعادها، والحديث عنها.