هناك تجربة ثقافية نوعية، قريبة جداً منا، تعمل باستقلالية تامة، وإثراء فعلي لحركة المجتمع المدني، أو ما يسمى بالمراكز الأهلية. إلى جانب تعاون القطاع الخاص. ومن جهة أخرى، فإن المنصة الرسمية لهذه التجربة، هي وزارة الثقافة البحرينية، التي تحمل على عاتقها، تدشين منهجية البنى التحتية الحضارية، عبر 12 مشروعاً، تبناه الاحتفاء بـ"المنامة عاصمة الثقافة العربية لعام 2012"، في مملكة البحرين.

 حول هذه التجربة، وفي استعراض تفصيلي قدمت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، وزيرة الثقافة في مملكةالبحرين، صورة عملية لـ8 أشهر من العمل الثقافي في مجالات: التشكيل والعمارة والتصميم والتراث والمتاحف والشعر والفكر والتراجم والموسيقى والبيئة والمسرح والوطن. أكدت فيها أن الجرح السياسي العربي، تجسيد واقعي لأزمة ثقافية، لم تتمكن مكتسبات السياسة، من فهم استثمار الثقافة، وما تحمله من ثقل نوعي، يملك القدرة على التجميع لا التفريق.

معتبره أنه المدخل والحل الوحيد لتأصيل المواطنة الحقيقية. والذي سيجعلهم في بحث دائم، وابتكار متجدد، باتجاه تنمية ثقافية مستدامة، تعزز الحفاظ على النسيج البحريني بكل أطيافه، من خلال مفاهيم الهوية والتاريخ والتراث. وجاء ذلك في محاضرة عن "تجربة البحرين.. الثقافية عبر ودروس"، والتي نظمتها ندوة الثقافة والعلوم، أول من أمس، في مقرها بالممزر في دبي.

الثقافة تحدٍ

جاء حديثنا بأنها تجربة قريبة جداً، إيماناً بمدى فعاليتها، وما يمكننا تحقيقه في الإمارات، للاستفادة الميدانية، في تعزيز دور المراكز الأهلية والقطاع الخاص في المجال، والذي أوضحت حوله آل خليفة أن: "المشروع الثقافي مسؤولية مشتركة، ومؤسسة مستقلة، ولا تقع المسؤولية التامة على الحكومة، بل مزيج بين اتاحة الفرص، وخلق البيئة المناسبة، وإعداد منهجية منظومة العمل الثقافي". وفي هذا الصدد، توقفنا جميعنا في المحاضرة، عند محور تحديات المبادرة الثقافية، والتي شخصتها آل خليفة بأنها حالة عامة وعالمية، يصاب بها كل مشروع يحمل بوادر ثقافية، منوها أنها ليست صبغة عربية فقط. وبينت أن اختلاف مفهوم معاني الثقافة أحياناً، قد يعتبر تحدياً، خاصةً عندما يقف ضدك، من هم مثقفون ومتخصصون ومعنيون في الشأن الثقافي.

وأضافت: أن الاستمرارية اليوم، تكمن في الإيمان بشعارنا وهو "الثقافة تجمعنا". وبينت أن الاحتفاء بالمنامة كعاصمة الثقافة العربية للعام 2012، لم تعتمد استقطاب الأنشطة الاستعراضية الثقافية العربية، ولكن بحث مستمر لتوصيل تراكمية الثقافة البحرينية، وليست الصورة المتخيلة عنها، أو ما يروج له كمقصد سياسي.

إنشاءات تنموية

وفي سرد توضيحي، شرحت آل خليفة، مجموعة من الأنشطة والمشاريع الثقافية التطويرية المنجزة منها، وأخرى لا تزال تحت قيد الإنشاء والعمل. وأبرزها: "متحف البحرين الوطني" وهو أحد أول المتاحف في الخليج، وقد تم افتتاحه في عام 1988، حيث يعرض قطع أثرية تغطي 600 عاماً من عمر تاريخ البحرين. وإلى جانب قاعاتها التخصصية، تم إضافة المركز الإقليمي، للتراث العالمي التابع لليونسكو.

ومشروع تطوير" باب البحرين" المشيد في عام 1949، والذي يشكل عرضا تاريخيا لتجربة السوق في البحرين، من خلال إعادة توظيفه كمركز للمعلومات، في الشأن الثقافي. ومبادرة إعادة ترميم البيوت البحرينية التقليدية، ومنها مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، الذي يقدم جوانب في التراث البحريني، وبيت وملحق عبدالله الزايد لتراث البحرين الصحفي، وبيت الشعر ـ بيت إبراهيم العريض، وذاكرة المكان ـ بيت بن مطر وبيت الكورار ـ من الأعمال الحرفية النسائية ـ وبيت القهوة. ومشروع المكتبة الخليفية في منطقة المحرق، والتي ستفتح في العام القادم.

وترميم سوق القيصرية وتشغيل الدكاكين. وبينت آل خليفة أن البيوت المرممة وصل عددها إلى 16 بيتاً، تم حمايتها من معول الهدم، والسعي لإبقائها كان حثيثاً، للحفاظ عليها كمكتسب ثقافي، وصل فيه عمر بعض المواقع بين 200 إلى 800 عام. ومشروع إحياء فندق البحرين، ومتحف الصوت، ومركز زوار مسجد الخميس، وعروض متحفية لمدرسة الهداية الخليفية، وتسليط الضوء على بداية التعليم النظامي في البحرين، وعروض متحفية لقلعة الرفاع، ومصنع نسيج بني جمرة، ومركز زوار شجرة الحياة، وإعادة إحياء الإذاعة البحرينية، والمنطلقة في أربعينات القرن الماضي.

انجازات

وأوضحت آل خليفة أن الجهود المبذولة للانضمام "طريق اللؤلؤ" على قائمة التراث العمراني، بعد حصوله على الموافقة وتصديق لجنة التراث العمراني في دورته السادسة والثلاثين، في أواخر شهر يونيو الماضي، تعد إحدى المنجزات، للحراك الثقافي النوعي للمملكة، حيث أصبح "طريق اللؤلؤ" ثاني موقع بحريني يتم تسجيله على القائمة، من بعد قلعة البحرين في عام 2005. ويجسد هذا الطريق، مرحلة توثيقية لأهم المراحل الاقتصادية الانتقالية لمملكة البحرين.

وأضافت في محور الانجازات الثقافية: "أن حصول معرض مملكة البحرين أيضاً، قبل عامين، على الأسد الذهبي في بينالي فينيس، جاء نتاج عفوية تقدمنا بها حول علاقة المواطن البحريني بالبحر وعش الصيادين، والجغرافية الصغيرة للبحرين"، متطرقة في تجوالها حول التجربة البحرينية الثقافية، عن كتابها بعنوان: "الأسطورة والتاريخ الموازي"، باعتباره وثيقة لحقائق ومتوازنات اجتماعية وحضارية، الذي عرض في شهر "تراجم" المعني بالترجمة، في المنامة عاصمة الثقافة العربية 2012.

عاصمة السياحة العربية 2013

 

اعتبرت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، وزيرة الثقافة في مملكة البحرين، أن العمل الثقافي والسياحي، شراكة تكاملية، تصب في تعزيز الهوية والتراث العريق في أي بلد، واختيار المنامة، عاصمة للسياحة في عام 2013، يدعم من الدور الثقافي، باعتباره النفط الذي لا ينبض، والجزء الحيوي في ازدهار الاقتصاد الوطني. ولفتت أنه توازياً باتجاه التكاملية بين القطاعين، وسيتم إطلاق حملة " السياحة تثري "، لتدعيم مفهوم السياحة الثقافية.