خلال محاضرة "الحنين محركاً للإبداع شعريات المنفى" استعرض المحاضر الدكتور كاظم جهاد محطات أساسية في أدب المنافي في شقيه الأوروبي والعربي. وانطلق جهاد خلال محاضرته التي ألقاها مساء أول من أمس في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي.
من التأكيد على أن المنفى يشكل ظاهرة بالغة الخطورة، عادت بصورة لافتة إلى الأضواء في السنين الأخيرة، على أثر تزايد عدد المهاجرين لأسباب اقتصادية والمبعدين من أوطانهم والمجموعات المهجرة والناجين من الإبادات الجماعية، وغير ذلك من أنماط نزوح اضطراري، وإقامة خارج الفضاء الأصلي تحت مسمى "المنفى".
أدب المنفى
وقال كاظم جهاد: شكل الأدب الذي تتمخض عنه المنافي موضوعا لمعالجات فلسفية وتاريخية ونقدية وأخرى متعددة الميادين.
وأوضح: أدب المنفى قديم وكبير في تراكم مكوناته وعناوينه الأساس، حتى أن البعض يعد تجربة آدم وحواء وخروجهما من الفردوس بداية لتاريخ المنفيين. وكما في تجربة آدم وحواء فالمنفى يكون في الكثير من الحالات حافزا لتحقيق إنجازات كبرى. وأضاف: يعالج أدب المنفى مشاعر المنفي وتحولاته ومكابدته للحنين وعمل الذاكرة في مواجهة الزمن.
كما استعرض محطات أساسية في أدب المنافي العربية والغربية، وركز في تناوله للأدب الغربي على تجارب خاصة أولها كما قال: تجربة اللاتيني أوفيديوس الذي وجد نفسه في القرن الثامن الميلادي منفيا من روما، التي كان نجمه الشعري فيها في أوج التماعه، إلى مشارف البحر الأسود ليعيش بين أقوام غريبة لا يعرف لغتها.
وأوضح جهاد: من هناك أرسل أوفيديوس رسائل منظومة أو قصائد تراسلية إلى زوجته وأصدقائه، جمعت فيما بعد بمجموعتين عنوانهما "الكآبات" و"رسائل من البحر الأسود" عبر فيها عن وحشته بين الأقوام الغريبة، وخشيته من نضوب قريحته الشعرية.
تجارب
ومن ثم تحدث جهاد عن تجربة الشاعر الفرنسي دو بيليه، وأشار: وجد بيليه نفسه بين 1553 و1557 ميلادية مقيما في روما. ومع قرب الأخير من بلاده فرنسا فهو شعر بالنفي بصورة ساحقة جعلت قريحته تتفتق عن مجموعته الشعرية "الحسرات" ذات المكانة التأسيسية في شعر الشكوى ورثاء الذات في الأدب الفرنسي.
وأضاف: هناك أخيرا ما نالته "أوديسة" هوميروس من تناولات فلسفية ونقدية تستنطق تجربة بطلها أوديس (أو أوليس) وتخرج من قراءة مغامراته العاثرة والأخرى السعيدة من حيث إضاءتها لمعيشة المنفى.
واستعرض جهاد ما كتبه الفيلسوفان كانط وجانكليفيتش في معيش المنفى والأفق النفسي والروحاني الذي يتموقع فيه المنفي، وقال: يجد المنفي نفسه مدفوعا إلى مواجهة الزمن الفار واستيهامات العودة الممكنة، ومشاعر الكآبة المتواترة والحنين المتواصل. وأشار: يجعل المنفي من حنينه حنينا مغلقا أو مفتوحا، ومن كآبته محركا للإبداع.
الحنين عند العرب
في استعراضه لظاهرة المنفى في الثقافة العربية، قال المحاضر: بأنها تضمنت معالجات أساسية، وتناولته من خلال مفردات معينة كالظعن والرحيل والنزوح والغربة والتغرب والشوق والحنين. وأوضح: تقف هنا أعمال قديمة عالجت المنفى شعرا وأدبا بتعمق وفرادة منها رسالة "الحنين إلى الأوطان" المنسوبة للجاحظ و"أدب الغرباء" لأبي الفرج الأصفهاني، وفصول عديدة من كتب أخرى معروفة لابن قتيبة وسواه.
وأشار جهاد إلى ما سماه بـ "بلاغة الحنين" التي تحيل إلى ما كتبه العرب في المشوقات من عناصر طبيعية كالبرق والريح، ريح الصبا بخاصة، وحيوانية، وعلى رأسها الحـــمامة والبعير، يليها طيف الخيال، وأضاف: هناك الأطلال التي يمكن اعتبارها أيضا مهيجة للشوق بانتصابها حوامل أساسية للذكرى وشواهد دالة على حضور الحبيبة الظاعنة عبر غيابها.
واستعرض جهاد ثلاثة نماذج من الشعر العربي عرفت بمعالجتها للحنين والنفي. بدءا من تجربة ابن زريق البغدادي المتوفى في الأندلس في 1029 ميلادية، وتحدث عن يتيمته المعروفة بـ "فراقيّة ابن زريق" واعتبرها مستودعا هائلا لأهم مشاعر المنفيّين وهواجسهم المستحوذة.
تليها تجربة المعاصرين ومنهما كما قال: العراقي بدر شاكر السياب والفلسطيني محمود درويش، وهما من أكبر من عالجوا الحنين والمنفى شعرا وتجاوزوا أثرهما المعيق إلى تفجير إيقاعات خاصة، وأوضح: جاء شعرهما تمرينا شاسعا في التماهي المتبادل وتكريس الغيرية والاختلاف.
واعتبر: أن درويش أضاف في أشعاره الأخيرة، خصوصا مجموعته "كزهر اللّوز أو أبعد"، لمسة من السخرية والتهكم من الذات ساعدته كثيرا على تطويق عمل الكآبة في شعره وتحويله إلى طاقة تجاوزية.
