"لن يقصف في عهدي قلم" وعد لم يف به الرئيس المصري محمد مرسي، الذي شهدت الأشهر الأولى من حكمه في مصر إغلاق قناة تلفزيونية، ومصادرة عدد من الصحف، ومنع العديد من الكتاب والصحفيين من نشر مقالاتهم التي تحتوي على آراء ناقدة لجماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن رفع قضايا ضد كتاب آخرين بتهمة إهانة الرئيس..

وقد توالت ردود الأفعال الغاضبة على تلك التصرفات، في العديد من أشكال الاحتجاج، كانت البداية مع قيام عدد كبير من الكتاب الصحفيين بترك المساحات المخصصة لكتابة مقالاتهم في الصحف المصرية بيضاء تحت عنوان "احتجاجًا على محاولات الإخوان السيطرة على الصحافة والإعلام المملوكة للشعب المصري كما كان يفعل النظام السابق"، ثم توالت أشكال الاعتراض بكتابة المقالات الرافضة للأوضاع، وتنظيم وقفة للمثقفين والفنانين بميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، لمناهضة ما يجري.

وبالتزامن مع ذلك، تعرض مجال الصحافة الثقافية في مصر إلى هزة كبيرة، فمن جانبهم قام أعضاء لجنة اختيار رؤساء التحرير التابعة لمجلس الشورى المصري بمخالفة قواعد الاختيار وشروطه أثناء اختيار رئيس تحرير جديد لجريدة "أخبار الأدب" الثقافية والتي تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم، ثم لم يلبث أن قام رئيس تحرير جريدة الجمهورية بإلغاء الصفحة الثقافية بالجريدة، الأمر الذي أثار غضب عدد كبير من المثقفين حيال هذا التصرف.

يا أهلاً بالمعارك

في جريدة أخبار الأدب الأسبوعية، أعلن المحررون أنهم على استعداد للدفاع عن جريدتهم مهما تطلب الأمر، رافعين شعار "يا أهلا بالمعارك"، وهم في ذلك أصحاب سابقة مع رئيس تحرير سابق هو مصطفى عبد الله، نجحوا في معركتهم معه، أن يتصدوا إلى عمليات خلط المادة الصحفية بالإعلان، وأن يختاروا رئيس تحرير لجريدتهم يرضيهم جميعا هي الكاتبة والناقدة عبلة الرويني، لكن التغييرات الصحفية الأخيرة جاءت لهم برئيس تحرير جديد هو مجدي عفيفي..

وقال محمد شعير، مدير التحرير : جريدة أخبار الأدب لها ثوابت وأساسيات تبدو واضحة من العدد الأول وهي الدفاع عن حرية الرأي والتعبير والدولة المدنية، وضد الدولة الدينية، وتيارات التطرف والإرهاب، مضيفًا أن أي محاولة من أي فريق سياسي أو رئيس تحرير جديد للانقلاب على هذه الثوابت، سوف تتم مواجهته من قبل كل المحررين.

وتابع: الأوضاع غير مبشرة، والمسألة من البداية تشوبها بعض الأمور غير الواضحة.

شروط

مدير تحرير جريدة أخبار الأدب شبه مشكلة المؤسسات الصحفية في مصر بسيارة متهالكة، وقال: بدلاً من أن نقوم بتغيير السيارة نفسها، نغير السائق، بدلاً من أن كان منتميا إلى الحزب الوطني أصبح منتميا إلى الإخوان المسلمين.

أما الشاعر رفعت سلام، فأعرب عن غضبه مما يجري الآن في مصر من مصادرة وإعاقة لحرية الرأي والتعبير فضلاً عن محاصرة وتقويض الصحافة الثقافية، ويقول: ما يجري الآن من قمع للحريات والتعبير عن الرأي في مصر، لا يختلف عما كان نظام مبارك يرتكبه في سنواته الأخيرة، ويبدو أن الإخوان لم يتعلموا من هذا النظام، إلا الوجه القبيح، بدليل أنهم سارعوا باستخدام تلك القوانين القمعية ما إن أمسكوا بالسلطة، وكانت النتيجة في خلال شهر واحد من حكم الرئيس مرسي، غلق قناة فضائية، وحبس رئيس تحرير صحيفة ومصادرتها، وتهديد كتاب آخرين بالحبس، وتغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، وإلغاء صفحات ثقافية منها، ومنع عدد ليس بقليل من كبار الكتاب من الكتابة فيها، فما ارتكبه نظام حسني مبارك على مدار ثلاثين عاما يرتكبه نظام الإخوان في ثلاثين يوما، ولهذا يحتشد المثقفون ضد هذه الهجمة البربرية على حرية الرأي والتعبير.

تكميم الأفواه

بدورها أعلنت الإعلامية والكاتبة الصحفية فريدة الشوباشي، رفضها للسياسات الإعلامية والثقافية الحالية، وقالت: إن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم كانت اقرأ، وليس اخرس، أنا مع الحرية بشكل عام، وأي اعتداء أو محاولة لتكميم الأفواه ستبوء بالفشل، لن يأتي أحد مثل النظام السابق الذي استمر 30 سنة، ولم يستطع في النهاية أن يمنع ثورة، الفاشل فقط هو من يكمم ويخرس الآخرين، لذا على النظام الجديد أن يتعامل مع الوضع القائم، ولكني لا أفهم هجمتهم على حرية التعبير.

مهاجمة الصحافة الثقافية

أما الروائي حمدي أبو جليل، فلم ير أن الأزمة في إغلاق أو الهجوم على الصحافة الثقافية واستهدافها فحسب، ويقول: الأمر أكبر من هذا بكثير، فما يحاك في الدستور الآن، وما يجري على أرض مصر على قدم وساق لتحويلها إلى الشكل الذي يريده جماعة الإخوان المسلمين غير مقبول، علينا الآن الإفصاح والإعلان بقوة كمثقفين ومنتجي فنون أن نعبر عن قلق هذه الفئة على مستقبلها ومستقبل الفنون في ظل حكم التيار الإسلامي السياسي، وأنا أتمنى على الراشدين في هذا التيار الذي يحكمنا الآن أن ينظروا بموضوعية إلى هذه الفئة التي أنارت مصر عبر تاريخها.

حرية التعبير

ودعا الشاعر محمود قرني كل مثقف أن يدافع الآن وبقوة عن حرية الرأي والتعبير، وحرية المثقفين في حياة كريمة، المبادئ التي استقر عليها الوعي المصري والتي دافع عنها رواد النهضة وأجيال من بداية ثورة يوليو حتى الآن، ونحن مستمرون في الدفاع رغم تغول جماعة الإخوان وتعاملهم بظلامية شديدة وقيامهم بحملة المصادرات، والحبس التي يتعرض لها الكتاب.