من منا لم يشاهد تلك الصور ؟ من منا نجح في تحاشي الألم ؟ هل هناك من تفادى الغصّة وتخطّى هيجان القهر ؟
 
عشرات الصور كل يوم تتفشّى في مساحات الروح لتُسيل دموع العين ساخنةً تلهج بالدعاء بالفرج لهذا الشعب العظيم المكلوم، وبانتقام رب العزة ممن استباحوا حُرمات النفس والعِرض والمال والطفولة بوحشيتهم المجرمة.
 
عشرات الصور كل يوم تنفذ من مسامات الشاشات وتجري في دمي الغاضب لسيلان دماءٍ عربيةٍ من سلاحٍ بيد من يفترض بهم قتال العدو بدلاً من قتل شعبهم وتدمير وطنهم وتشريد وتجويع أبناء جلدتهم.
 
صورٌ لعائلات سوريةٍ تمشي على أقدامها أياماً في العراء لتحصل على لقب "لاجئين"، وصورٌ لعائلات منحتها قذائف الغدر والنذالة لقب "شهداء". صورٌ لمدنٍ سوريةٍ ضاربةٍ في عمق الحضارة والتاريخ غدت مدن أشباح .. لا أحد هناك ولا شيء يتحّرك .. فقط ألوان الدمار البارد ورائحة مسك الشهداء تحتلّ محيط الصورة.
 
هنا صورٌ لأطفالٍ أبرياء قدموا للحياة منذ أشهرٍ وغادروها ببشاعةٍ يندى لها الجبين وتشمئز منها الإنسانية ويصرخ بسببها الضمير. كم آلمتني صور "لين" تلك الطفلة السورية الجميلة التي كانت تلهو بجانب بيتها بعيداً عن ضجيج الدبابات وهدير الطائرات .. وإذ برصاصةٍ صامتةٍ خسيسة تصيب رأسها وترسلها لرياض الجنة ونعيمها.
 
من أيّ مخرجٍ سريّ أهرب من ملاحقة صور "لين" وهي تلعب وتضحك وتحتفل بعيد ميلادها، أيّ الأنفاق يؤدي لمدخلٍ آمنٍ ؟ أيّ فرحةٍ أرسم على مساحات وجهي التي كساها سواد الحِداد ؟
 
كيف أتخلّص من صور دُمى الأطفال الحزينة في "حمص" و"حلب" و"دير الزور" و"دمشق" و"ادلب" وقد دُفنوا تحت أنقاض بيوتهم وبقيت ألعابهم وحدها لتحكي قصة عذابهم وتقطع حبل المشيمة عن الفرح ليعود يتيماً باكياً شاهداً على وصمة العار الملتصقة بجبين الانسانية.
 
وأتساءل ويلح علي ضميري بالإجابة أي زينةٍ اختار العالم لهم في هذا العيد ؟ وصور آلاف اليتامى والأرامل والثكالى تتزاحم على بياض الحائط وتغطّي علب المجوهرات ومساحيق المكياج ! أنينهم وأصوات دعائهم تجلجل لتشق عنان السماء وتهزّ الأرض وتأسر شغاف القلوب .. ولم يتبقي للعيد سوى أمل النصر والعودة.
 
ما من جائزةٍ في التاريخ تستطيع تكريم "شهداء الصورة" ممن دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الصورة الحقيقية لمعاناة هذا الشعب الجريح ! ارتقوا للسماء تاركين كاميراتهم تحتفظ بصور منازلهم وهي تحترق وأهاليهم الهاربين من جحيمِ القصف والدمار.
 
زارنا العيد.. وحمل معه ورطةً حقيقية .. كيف تجرأنا وقلنا لأحد أبناء سوريا "كل عامٍ وأنتِ بخير" !!
 
فلاش: أعلم أن البعض وربما الغالبية حاول ان يدخل الفرح والأمل .. على قلوب السوريين في العيد بدعائهم على الأقل حتى وإن كان في رتبة أضعف الإيمان .


سحر الزارعي
الأمين العام المساعد
جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي