كل الكتاب خبثاء، وكل القراء أغبياء يصدقونهم فيعيشون حياة غير حياتهم، سرقة مع سبق الإصرار للوقت والعمر الجميل ولا يشكو أحد".. كلمات لا يملك الكثير من المبدعين الجرأة على قولها، فطموح المبدع أن يكون له جمهور عريض يتابع أعماله ويقرأ إبداعه، ولا أحد يود أن يخسر هذا الجمهور بأي حال من الأحوال، لكن الروائي إبراهيم عبد المجيد، فضل مصارحة جمهوره، على لسان أبطال روايته "البلدة الأخرى"، بكل ما يراه ويشعر به، على أن ينافقهم ويكذب عليهم.

للإسكندرية وقع خاص في نفس الروائي إبراهيم عبد المجيد، لعل أصدق تعبير عنها جاء في روايته "طيور العنبر" التي قال فيها على لسان أحد الأبطال: "سكندريتنا التي صنعناها، التي خلقناها من الروائح والأزهار والمحسوسات والخيال والحب والتي هي باقية؛ لأنه إذا افتقدت هذه الإسكندرية فماذا يتبقى لي؟".

صياد ويمام

حصل عبد المجيد على الشهادة الجامعية في مدينته الأم الإسكندرية، ثم انتقل إلى القاهرة ليعمل في وزارة الثقافة، وتولى الكثير من المناصب الثقافية، كان آخرها رئاسة تحرير سلسلة كتابات جديدة، والتي استمر فيها لمدة خمس سنوات، وأصدر روايات عديدة منها "الصياد واليمام"، "العشق والدم"، "بيت الياسمين"، و"لا أحد ينام في الإسكندرية"، يدرك قارئه منذ الوهلة الأولى كم هو أديب وروائي يتميز أدبه بسمات خاصة، حديثه ذو عبق، وذو شجن أيضًا، ترجمت رواياته إلى العديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية، لا يتوقف إبداعه عند حدود الأدب، لكنه أيضًا كاتب مقال صحفي متميز، يعبر من خلاله عن آرائه السياسية، ورؤاه الاجتماعية؛ حاولنا الاقتراب منه، فكان لنا معه هذا الحوار:

طفولة وإبداع

هل ساهمت الظروف التي أحاطت بطفولتك في تكوينك الإبداعي؟

لقد كانت الظروف في الطفولة أفضل مما هي عليه الآن بمراحل، كان التعليم أفضل، وكانت لدينا في المدارس رحلات ترفيهية إلى أماكن عدة، أتذكر حين كانوا يأخذوننا إلى السينما في رحلة تكلفة الواحدة منها عشرة قروش، كنا نشاهد أفلام عمر الشريف، وعبدالحليم حافظ، كانت تلك الفترة ثرية بالبهجة والخيال، بها جماعات للموسيقى، والتمثيل، وكنا نتلقى الثقافة بأشكالها وألوانها إلى جوار العلم، لم يكن هناك ما يسمى بالدروس الخصوصية، والتي أصبحت آفة التعليم الآن، كما كنا نحصل على حصتين نزور خلالها المكتبة في كل أسبوع، أما في البيت.

فقد كان والدي حافظا للقرآن الكريم، يحكي لنا قصص الأنبياء والصحابة وأبطال السيرة الشعبية وكان -رحمه الله- يحب صحبة الروائيين الشعبين، فكان يأتي لنا بأحد هؤلاء الرواة ممن يحملون الربابة ليسرد علينا السير الشعبية، وقد أتاح لي هذا المناخ أن تخرج مواهبي إلى النور وأن تظهر الطاقات الروحية في حرية التعبير والكلام والحركة وفي المدرسة، تخصب خيالنا الطفولي وتزودنا بالجرأة في التقاط الصورة وتمثيلها.

ميول ماركسية

تتأرجح نوازع الإنسان في البدايات الأولى لتكوينه الإبداعي ما بين رفض وتذمر وعصيان.. فهل مررت بتلك الفترة أم أنها مرت مرور الكرام ودون مشكلات؟

مرت فترة المراهقة دون مشكلات، لكن في الدراسة الجامعية في قسم الفلسفة ظهرت لديّ الميول الماركسية، ووجدت أن فكرة الاغتراب وهي الفكرة المحورية في الماركسية كانت هي نفسها موجودة في الفلسفة الوجودية، وأدركت أن حياتي لا تحتوي عصيانًا وإنما هو قلق واغتراب، وأن حياتي تحفل بهما، وأيضًا وجدت من حولي كثيرين غير متوافقين مع المكان أو الزمان وعندهم طاقات مادية ضخمة وشعور بالاغتراب والتأزم الروحي.

نكسة 1976.. هل كان لها تأثير في إبداعك؟

كل الإبداعات تأثرت بالنكسة، وجميع الكتاب والأدباء والمفكرين تأثروا بها، بل إن كل البيوت المصرية كانت لديها حالة خاصة من الحزن، وربما كانت روايتي الأولى إعادة لتقسيم ما أتت به النكسة، فهذه الرواية حملت حوارًا عن العالم والوجود، وهو أكثر اتساعًا من السياسة فيفها الشعر وغيره، وفيها التماهي مع القضايا السياسية الكبرى وقضايا البشر اليومية.

منبع فكري

ماذا قدّمت لك الإسكندرية؟ وماذا قدّمت لك القاهرة؟

القاهرة مدينة عريقة بكل المقاييس، قدّمت لي العمل والشهرة، أما الإسكندرية فهي المنبع الذي صبّ عنده إبداعي، وهي أيضًا التربة الخصبة التي صلحت فيه بذرتي الأولى ونمت وترعرعت، وأحمل عشقًا داخليًا لها، فهي تجري في عروقي مجرى الدم، ولازلت أزورها في المناسبات السعيدة وغير السعيدة، أنا ممزوج فيها ولا أجد فصلاً بيني وبينها، أنا وهي شيء واحد، هي التي صنعتني بتاريخها وحاضرها وملاهيها وناسها وثقافته، الإسكندرية هي التي صنعت إبراهيم عبدالمجيد.

دراستك للفلسفة.. هل كان لها تأثير في إبداعك؟

دراستي للفلسفة صنعت الرؤى السياسية لديّ وصنعت وخلقت فكري الوجودي، ففي الفكر الفلسفي الماركسي ظهرت ميولي، الفلسفة عالم ثري بكل المقاييس، وهي بئر يتمكن الأديب من النهل منه، عالم له ساحر خاص، وبين الفلاسفة الوجوديين قد تجد نفسك وتظل تتوق إلى المدينة الفاضلة ترسم بفرشاتها أفكارك.

بعد انهيار النظام السياسي السابق.. كيف ترى الفترة المقبلة؟

الثورة التي حدثت معجزة بكل المقاييس، وهي حقيقة نعيش فيها، وأرى أن الرئيس الجديد محمد مرسى يتعلم من الدروس السابقة، وأتوقع أن تحمل الفترة القادمة رئيسًا من نوع فريد يدرك قيمة الديمقراطية وقيمة العمل العام.

روايتك "لا أحد ينام في الإسكندرية" مرت ببعض المشكلات.. فهل لن تكرر تلك التجربة؟

لا أحد ينام في الإسكندرية لها ظروف خاصة، وقد لا تتكرر تلك المشكلات لكن التجربة بالطبع من الممكن تكرارها في أعمال قادمة.

إذن هناك أعمال تليفزيونية قادمة وخاصة أن الدراما التليفزيونية تتعطش لفكر جديد؟

الدراما التليفزيونية لها طابع خاص، وهي أسرع وأسهل وسيلة للاتصال بالناس العاديين والدخول إليهم في منازلهم، وأشعر دومًا بالقدرة على كتابة السيناريو ولكنني لم أهجر الرواية إلى الدراما، ولا يمكن تصور إبراهيم عبدالمجيد دون كتابة عمل روائي.

 

مردود

 

إن كان الإبداع الروائي مجزٍ ماديًا، وهل يمكن للأديب أن يتعيش منه؟ أكد ابراهيم عبد المجيد أن الإبداع الروائي ليس مجزيًا ماديا على الإطلاق، والأديب لا يمكن أن يتعيش من عائده، لكن الدراما التليفزيونية قد يكون لها بعض العائد المجزي. وحول ترجمة بعض رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية أكد أنها تجربة ثرية بكل المقاييس وتساعد على انتشار فكر الأديب والمبدع بحيث يتجول إبداعه على أكثر من ساحة، وعن آخر أعماله قال: صدر لي رواية جديدة بعنوان "برج العذراء"، وهي صادرة عن دار الآداب ببيروت، وفي مصر صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان "ليلة إنجيلا".