«كتب معدودة، اللي قرأتها في حياتي، اللي اهتميت أقرا المقدمة بتاعتها، وبترن في ودني دلوقتي جملة سعيد صالح التاريخية (إيه يا جدعان هو اللي بنعمله في الناس هايطلع علينا ولا إيه؟)؛ لهذا ستكون هذه المقدمة أقصر ما يكون»، هكذا، وبلغة تراوحت بين العامية تارة والفصحى تارة أخرى، قدم المخرج المصري الشاب عمرو سلامة لكتابه «شاب كشك.. في رحلة البحث عن الجادون»، ذاك الكتاب الذي لاقى رواجاً بين القراء، حتى بلغ عدد طبعاته اثنتي عشرة طبعة.
لغة عامية
الكتاب الذي يدور حول انطباعات ونصائح شخصية للمؤلف، مكتوب باللغة العامية، يعد واحداً من مجموعة كتب تصدرت قوائم المبيعات في القاهرة والمحافظات، مؤلفوها مجموعة من الشباب الذين كفوا عن محاولة إثبات الموهبة في الكتابة عبر القنوات العادية من قصة ورواية وشعر، فاختاروا لأنفسهم شكلاً جديداً من التعبير، بدأ بالكتابة الساخرة، ولم يلبث أن تحوّل إلى نوع من التداعي الحر للأفكار التي تشغل بال المؤلف، كما تشغل بال الكثير من أبناء جيله، ليثبت الصعود الكبير في أرقام المبيعات لتلك الكتب، أن طرح التساؤلات التي تبدو بديهية عامل مشترك بين أبناء الجيل الجديد، وأن مزاج القراء في مصر قد اختلف؛ ليصبح كتاب شباب من أمثال عمر سلامة وعمر طاهر، وأحمد العسيلي، وأحمد حلمي يتربعون على عرش القراءة في بلاد نجيب محفوظ وخيري شلبي وإبراهيم أصلان.
أسئلة طفولية
«ثمة أمور تبدو طبيعية، لكنها ليست كذلك، فمثلاً أين تذهب الكهرباء حين تنقطع؟ ولماذا يخفض السائق صوت الكاسيت أو الراديو حين يشعر أنه قد ضل الطريق، أو دخل شارعاً مظلماً؟ هكذا يتساءل الكاتب عمر طاهر في كتابه الشهير «كابتن مصر» أسئلة تبدو طفولية، لكنها مطروحة، أما عمرو سلامة فيناقش مجموعة من الأمور والتفاصيل التي تحاول الأجيال الجديدة أن تهرب أو تخجل منها، لكنها تشكل شخصيتها في النهاية، مثل الوقوف عند كشك البقالة لتناول الشيبسي وشرب البيبسي، كهواية مفضلة عند الأطفال في مرحلة ما، كذلك شراء بسكويت الشمعدان- في مرحلة ما من الثمانينيات والتسعينيات- من أجل تجميع صورة الدراجة، التي ينجح الجميع في تركيبها باستثناء صورة الجادون التي يبحث عنها الجميع دون جدوى، كما يحكي في كتاب «شاب كشك».
تفاصيل
تفاصيل عديدة تبدو بلا قيمة لدى البعض، لكنها تشكل شخصية أجيال جديدة بالكامل، لها موقف من الحياة والبشر، ومن الأسئلة الساذجة التي يتم فرضها عليهم من الآخرين، مثل الأسئلة المتشابهة التي يطرحها الأقارب والآباء على الأطفال وهم صغار، مثل: تحب تطلع إيه لما تكبر؟ مين اللي جابلك الساعة الحلوة دي؟ بتحب مين أكتر ماما ولا بابا؟.. وغيرها الكثير من الأسئلة التي يعلن كُتاب هذه الأعمال رفضهم لها، وإعادة الأسئلة بشأنها في محاولة للإعلان عن شخصية خاصة متصالحة مع ذاتها، ومع الآخرين.
أفكار مختلفة
لا يمكن حصر الأفكار التي تدور حولها الكتب الشبابية الأكثر مبيعاً، فبالرغم من أن الموضوعات التي تناولتها في البدايات كما سبق وذكرنا - تنتمي للعموميات والانطباعات الشخصية، والتساؤلات الطفولية، إلا أنها مع الوقت أخذت تتبلور وتتحول إلى معالجة أفكار جديدة تتعلق بالشباب أيضاً وأنشطتهم وأفكارهم، من أمثلة تلك الكتب «الألتراس» لمؤلفه محمد جمال أو جيمي هود، والذي شكل إضافة مهمة للمكتبة العربية؛ لأنه الكتاب الأول من نوعه الذي يتناول ظاهرة «الألتراس» التي طفت على السطح بقوة بعد أحداث بورسعيد الدامية بين مشجعي نادي الأهلي ونادي المصري، كما يعطي فكرة عن مشجعي نوادي كرة القدم في مصر الذين يتمتعون بدرجة كبيرة من الوعي السياسي، وكانوا من أوائل المؤازرين لثورة 25 يناير في ميدان التحرير.
كذلك الأمر مع الكتابين اللذين قام المذيع والإعلامي أحمد العسيلي بإصدارهما، «كتاب مالوش اسم» و«الكتاب الثاني»، فقد حظيا بدورهما بنسب قراءة عالية، خاصة الأول منهما، لما يتناوله من أفكار فلسفية عميقة، وبسيطة في الوقت نفسه، تتعلق برؤية الشاب للدين والحياة، وللطبيعة والأحداث من حوله، وظل متصدراً لقوائم الكتب الأكثر مبيعاً لفترة طويلة. ولم يخلُ الأمر من محاولات نسائية، بدأت مع الكتاب الشهير للمدونة غادة عبد العال «عايزة أتجوز»، الذي حكت فيه ببساطة المحاولات والمرات التي مرت بها في سبيل الحصول على عريس.
ظاهرة طبيعية
الناقد الدكتور حسين حمودة، يرى أن الكتابة الجديدة التي دشنها الكتّاب الشباب في مصر ناجحة؛ لأنها كتابة عن الحياة اليومية، خفيفة الدم، وسهلة، وتأخذ الكثير في طريقة كتابتها من الإنترنت، وطريقة الشات، المسألة أنها تع طي اهتماماً كبيراً بالمشاغل اليومية، بحيث يجد الناس أنفسهم فيها إلى حد ما، ولا يشعرون أن هناك مسافة بينهم شخصياً وبين كتّاب وكاتبات هذه الكتب؛ بمعنى أنهم يشعرون كما لو كانوا هم أنفسهم من قدموا هذه الكتابة، وثمة ملحوظة في هذه الأعمال أنها تلغي المسافة المفروضة بين الكاتب من جهة والقراء من جهة أخرى.
وهم الكتاب الأكثر مبيعاً
الناقد الدكتور محمد عبد المطلب أكد أن ظاهرة الكتاب الأكثر مبيعاً، ما هي إلا وهم، مشيراً إلى أن إعلان دار النشر المسؤولة عن الكتاب تصدّره لقوائم الكتب الأكثر مبيعاً خدعة، وقال: الطبعات بها خداع، وليس هناك كثيرون يعرفون لعبة الطبعات، فمن الممكن أن أقوم بطباعة خمسين نسخة كطبعة أولى، ومثلهم طبعة ثانية، لا يوجد ضوابط لعدد النسخ التي يفترض أن تضمها الطبعة الواحدة، ولعل أبلغ مثال على ذلك كتاب علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان»، حين صدر أرسل لي نسخة هدية، ولم يكد يمر شهر حتى وجدت الطبعة التاسعة من الرواية وقد صدرت، هذا مستحيل، وعلى هذا المنوال تجري الأمور الآن.

