الداخل إلى مسكن الناقد الدكتور عبد المنعم تليمة يشعر وكأنه دخل إلى مكتبة ضخمة، لا إلى منزل عادي، البيت مسكون بالكتب، يجدها الزائر في كل مكان، على الأرفف والأرض والطاولات، متراصة على الأماكن المخصصة للجلوس، وفي غيرها، أفسحنا مكانًا بالكاد لنجلس فيه، وبدأ حديث ممتع حول بدايات الناقد المتمكن واللغوي القدير عبد المنعم تليمة، الذي ألقى بنفسه في بحار علم جمال اللغة؛ فخرج منها بالدرر ينثرها كلما تحدث وكتب عن حبه الأثير.. اللغة. التقيناه فدار الحوار التالي:
النشأة في الريف وسط أسرة فقيرة لا يؤهل الكثيرين لمستقبل ناجح.. كيف تخطيت عوائق النشأة وعقبات البداية؟
ولدت في أوسيم، وهي مدينة تابعة لإقليم الجيزة، تعلّمت القرآن الكريم ومبادئ اللغة والحساب في بدايات عمري، وقد كانت أسرتي فقيرة بالفعل، وكان هذا ماديًا فقط، لكني لم ألبث أن وجدت كنزًا ثمينًا في بيتنا أغناني عما سواه، وغيّر لي حياتي، ألا وهو مجموعة الكتب المهمة التي كونت وعيي وإدراكي للحياة، في مقدمتها القرآن الكريم، وصحيح البخاري، والفقه على المذاهب الأربعة. أما حبي للأدب فقد توهج من خلال قراءات متفرقة لكتاب "ألف ليلة وليلة"، فضلا على القصص والروايات الشعبية والملاحم والسير الشعبية، لكن يبقى الدور الأساسي لوالدتي رحمها الله، ومثلما كانت "فاطمة قنديل" والدة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي لها دور ضخم في حياته، كان لأمي أيضًا دور بارز في حياتي.
فلازلت أتذكر كيف كانت تؤدي الأغنيات المستحدثة بصوتها بشكل عمق في داخلي حب التراث الشعبي.
لك مغامرات في العمل والسفر..ماذا عنها؟
عُينت معيدًا في الكلية عقب نجاحي في عامي الأخير بها، وتدرجت في الوظائف، أصبحت مدرسًا، وأستاذًا مساعدًا، ثم أستاذًا، ثم توليت رئاسة القسم، حينها لاحت فرصة السفر إلى اليابان، وهناك عشت عشر سنوات كأستاذ زائر بجامعة أوساس للدراسات الأجنبية، وقمت مع المسؤولين اليابانيين بترجمة القرآن الكريم إلى اليابانية، وكتب مثل "مروج الذهب" للمسعودي و"مقدمة بن خلدون" و"رحلة بن الخبير" و"ألف ليلة وليلة" وأدب جبران خليل جبران ونجيب محفوظ وطه حسين، وغير ذلك الكثير من كتابات توفيق الحكيم ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور.
لك دور كبير في تأسيس الكثير من الكيانات الأدبية في مصر وحول العالم .. من أين كانت البداية؟
كانت البداية حين أسست منذ التحاقي بالجامعة "لقاء الخميس"، وهو لقاء يجمعني بالأدباء وشهدت إبداع مبدعين كثيرين واجتهاد مفكرين، وعلى مدى عشرات السنين أصبح لهذا اللقاء مدارس واتجاهات وتيارات علمية وعقلانية، وهو لقاء مفتوح على المحاورة الوطنية والعالمية، وكانت لي مشاركات في تأسيس الدوائر الإبداعية والفكرية في اتحاد الكتاب وفي الجمعية المصرية للنقد الأدبي، والجمعية المصرية للأدب المقارن.
عاصرت ثورة 1952 وعاصرت أحداثا سياسية مهمة، كيف تنظر إليها؟
بالفعل عشت سنوات في العصر الملكي، وكنت في الخامسة عشرة عندما قامت ثورة يوليو، واهتممت بدراسة الفكر السياسي للكتاب الكبار، واجتهدت في صياغة الفكر السياسي بدوري من خلال دراساتي تلك.
كيف تقيم الإنتاج الإبداعي في العالم العربي جملة، وما أبرز ملاحظاتك عليه؟
الأدب العربي يسير في طريقين، أولهما يأتي تحت شعار التجديد الأصيل وهو الشعر، أما الطريق الثاني فيقوم على التأصيل الجديد، كالمستحدثات في الرواية والمسرح والقصة القصيرة والسيرة الذاتية، أما رأيي في واقع أدبنا العربي جملة فإنني أراه متردًيا إلى حد كبير.
ماذا عن النقد هل نجا بدوره من التردي أم كان سببًا رئيسيًا فيه؟
النقد العربي الحديث لا يفصل عن النقد العربي القديم، كل الدوائر العالمية تتجه نحو تحليل النقد ومناهج الدرس الأدبي، ولا يعكر المشهد النقدي الحديث إلا الممارسات الصحفية والدراسات الانطباعية، التي لا يعتد بها الأكاديميون والتي تصرف كثير من القراء عن أعمال إبداعية مهمة.
التواجد بين كبار الأدباء
انتظم د. عبد المنعم تليمة في حضور ندوة عباس العقاد، وسلامة موسى، وندوة الدكتور محمد حسين هيكل، اقتربت من يحيى حقي، ومحمد عبدالحليم عبدالله، ونجيب محفوظ، ومحمود حسن إسماعيل، ثم التحق سنة 1956 بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة القاهرة، ودرس على يد الكاتب الكبير طه حسين، وعلى يديه ارتشف أولى قطرات الأدب العربي، وعشق اللغة العربية. وهذا ما شجعه على الاستمرار في دراسة الأدب وعلومه، واللغات أيضًا، وتعمق في الدرس البلاغي النقدي. ثم درس على يد أمين الخولي وشوقي ضيف وعبد الحميد يونس وسهير القلماوى ولويس عوض ومحمد مندور وزكي نجيب محمود، حينها تعلّم كيف يقرأ النصوص والعوامل الفاعلة في تاريخ الأدب العربي.
