توفي الكاتب والروائي والمسرحي الأميركي غور فيدال عن عمر ناهز 86 عاما. كان رجلا ثريا ومشهورا ومستفزا وعرف بكتبه وآرائه السياسية المعاكسة للتيار السائد في بلاده. فقد كتب، على سبيل المثال، إحدى أولى الروايات بشخصيات مثلية صريحة. كما كان واحدا من أشد منتقدي ريغان وبوش الابن، الذي وصفه بأنه (أغبى رجل في الولايات المتحدة).
رجل الآداب
برحيل غور فيدال، تفقد الولايات المتحدة كاتبا ومثقفا وشخصية سياسية لم يبق الكثير منها في العالم. تفقد شخصا إذا أردنا أن نصف وجها واحدا من وجوهه، فيمكن القول إنه رجل الآداب. نشر 25 رواية وكتابي مذكرات وعدة كتب في البحث السياسي والفنون الجميلة. كما كتب سيناريوهات سينمائية وتلفزيونية ومسرحيات. توفي يوم الثلاثاء الماضي عن 86 عاما بمنزله في هوليود هيلز نتيجة مضاعفات الالتهاب الرئوي الذي كان مصابا به، وبذلك وبدأ مسيرة وداع الكاتب الذي أراد أن يصبح رئيسا، والذي يعد أحد آخر ممثلي جيل الشخصيات الأدبية والمشاهير الحقيقيين.
مسار مخالف
ولد فيدال في 3 أكتوبر 1925 في (ويست بوينت) في نيويورك، حيث كان والده يدرس هندسة الطيران في الأكاديمية الحربية. وكانت والدته ابنة عضو مجلس الشيوخ تي. بي. غور من ولاية أوكلاهوما. وبعد تعميده باسم يوجين لوثر غور فيدال، عمد لاحقا إلى إسقاط الاسمين الأولين . كان في الجيش خلال الحرب العالمية الثانية، وأرسل إلى قاعدة ألاسكا، ومن هناك، ولد كتاب ( ويليواوا)، الذي كتبه بعمر 21 عاما، وحقق نجاحا على الفور. ومن ثم نشر كتابه المثير للجدل (المدينة وعمود الملح)، الذي كتبه بعمر 19 سنة ومن ثم نشر عام 1948، إحدى أولى رواياته بشخصيات مثلية صريحة.
شارك فيدال، الذي يعد كذلك ممثلا مخلصا للأرستقراطية الأميركية، رغم أن هذه تبدو غير موجودة تقنيا- شارك بشكل نشط في سياسة بلاد، وكان يحضر جلسات الكونغرس منذ عام 1960، ومن ثم سافر ليعيش في إيطاليا، ولعب دوراً في فيلم( روما) لفيدريكو فيليني. وعاش الكاتب هناك نحو 30 سنة، إلى أن قرر في عام 2004 بيع فيلته هناك والانتقال إلى لوس أنجلوس. كما ظهر في برامج تلفزيونية وكتب العديد من السيناريوهات للتلفزيون والمسرحيات التي عرضت في بروداي وتم تحويل بعضها إلى السينما.
تناقضات
في حياته السياسية، كان أحد أشد منتقدي تناقضات الإمبراطورية الأميركية، وجه سهامه مبكرا ضد رونالد ريغان ، بينما لم يوفر جورج دبليو بوش من تلك الانتقادات، وإنما نعته بمجرم حرب وبأنه أغبى رجل في الولايات المتحدة.
على ضوء هذا الملح المقتضب من سيرته الذاتية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا شخصية فيدال ليست أكثر وقارا في الولايات المتحدة؟ مع أن هذا الرجل يمكن اعتباره كنزا وطنيا، فقد كتب سلسلة من الروايات التاريخية مكونة من ستة أجزاء تصور الولايات المتحدة منذ 1775 حتى 2000 تحت عنوان( روايات الإمبراطورية).
انتقادات لاذعة
الإجابة ربما تظهر من انتقادات فيدال اللاذعة لتلك الإمبراطورية. في عام 2009، قال لـ(تايمز اللندنية) إن الولايات المتحدة( تتعفن على خطى جنائزية. قريبا سيكون لدينا ديكتاتورية عسكرية). كما يتعين علينا ألا ننسى أن فيدال كان منتقدا قويا للدولة العبرية بسبب معاملتها للفلسطينيين. رغم أن موقفه السياسي يمكن أن يدرج ضمن التيارات اليسارية، حيث لم ينفد أحد من انتقاداته اللاذعة. في عام 1970 صرح بأنه( لا يوجد إلا حزب واحد فقط في الولايات المتحدة ، حزب الملكية، وله جناحان يمينيان، الجمهوري والديمقراطي. الجمهوريون أكثر غباء بقليل، لكنهما وجهان لعملة واحدة. أفضل الأعمال
بالنسبة للكثير من النقاد، فإن أفضل الأعمال التي كتبها غور فيدال كانت أبحاثه، لكن مثلما يحدث مع غالبية الكتاب المنخرطين جدا في الواقع السياسي في بلاده، ربما تحتاج هذه الأبحاث إلى جيل أو جيلين لتقويم نتاجه الفكري والأدبي على نار هادئة، وفي غضون ذلك سيكون دائما هناك كاتب سيرة يعد للوليمة. فحياة فيدال من تلك الحيوات التي لا يمكن اختراعها.


