شيع الوسط الثقافي والأدبي في مصر أمس الأحد الأديب محمد البساطي، ووري الثراء بعد الصلاة عليه بمسجد رابعة العدوية وتشييعه إلى مثواه الأخير في مقبرة في مدينة العبور على أطراف القاهرة، وقد كان على رأس المشيعين جمال الغيطاني، صنع الله إبراهيم، إبراهيم عبد المجيد، سعيد الكفراوي وغيرهم من أدباء وشعراء مصر. وقد توفي البساطي، أول من أمس، في مستشفى بالقاهرة، عن 75 عاما بعد صراع مع سرطان الكبد منذ عدة أشهر.

أحلام قومية

وينتمي محمد إبراهيم البساطي إلى جيل الستينيات، الذي عاصر زمن الأحلام القومية والوطنية الكبرى، التي حملتها ثورة 23 يوليو، وعكست أعماله تلك التحولات الكبرى بانتصاراتها وانكساراتها وتوهجها وخفوتها. والبساطي المولود عام 1937 في بلدة الجمالية المطلة على بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية، التصق بعالم الريف وبالبسطاء والمهمشين في كتاباته السردية، وتعامل مع الواقع المصري بحرفية وحب ناقلًا إياه بصيغة إبداعية قريبة من الناس.

وقد بقي البساطي محافظًا على موقفه السياسي المعارض للنظام منذ توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية "كامب ديفيد"؛ وكان ناشطًا جدًا في مواجهة التطبيع مع إسرائيل؛ وفي روايته "ليالٍ أخرى" يتناول التحولات الكبرى التي عرفتها فترة السبعينيات، خاصة مرحلة الانفتاح الاقتصادي التي عصفت بالطبقة الوسطى وغيرت الواقع الاجتماعي المصري، والسلام مع إسرائيل والهجمة على المثقفين.

جوائز

وقد رفض البساطي طوال حياته الجوائز التي تمنحها الدولة المصرية خصوصًا في ظل نظام الرئيس السابق حسني مبارك، ولم يقبل سوى الجائزة التقديرية التي حصل عليها بعد ثورة 25 يناير.

كما رفض البساطي الذي عانى من سرطان الكبد قبل وفاته، العلاج على نفقة الدولة رغم محاولات وزراء الثقافة المتعاقبين إقناعه بذلك، قائلًا "أنا لم أقبل جوائز الدولة حتى أقبل أن أعالج على حسابها، ولن يكون موقفي الذي اتخذته طوال حياتي في مواجهة الظلم والقمع قد تنازلت عنه، فلم يتغير شيء حتى الآن".

كما تم تكريمه في الدورة السابعة لجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي (2000- 2001)، عن فئة القصة والرواية، مناصفة مع الكاتب السوري زكريا تامر.

خسارة فادحة

ويصف النقاد أسلوب البساطي الروائي بأنه "يتسم بالاقتضاب البليغ الدال سردًا وأسلوبًا ومعنى، ويتوق إلى استحداث أفق شعري رائق"، وأنه "يعمد إلى التجربة الاجتماعية والنفسية والسياسية فيلقي النور على الجوهري فيها محتفظًا بما هو إنساني عام لعرضه ضمن بنية تخيلية تمتاز بالشاعرية".

وتعد وفاة الأديب محمد البساطي خسارة كبيرة للأدب في مصر والعالم العربي، إذ قال الروائي إبراهيم عبد المجيد عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، إنه عندما تصف كاتبا بأنه عظيم فهذا أمر سهل، لكن عندما تصفه أيضًا بأنه إنسان نبيل فسيكون محمد البساطي الذي يعد من القلائل الذين تصفهم بذلك.

 

كاتب مختلف

 

الروائية رضوى عاشور في حسابها على موقع "تويتر" أكدت أن البساطي واحد من أكبر كتاب القصة القصيرة في مصر، وأهم ما يميزه هو التقاطه الخاص للوجود من حوله، مصفى ورائقًا وعذبًا؛ وأضافت: "فقد الأدب العربي كاتبًا من أبرز كتابه، وأنا فقدت صديقًا غاليًا"، وأضافت أنه كان إنسانًا جميلًا أغنانا بفنه وشد أزرنا بتماسكه السياسي والأخلاقي.

وقد ترك محمد البساطي نحو عشرين رواية ومجموعة قصصية من بينها: "التاجر والنقاش"، "المقهى الزجاجي"، "الأيام الصعبة"، "بيوت وراء الأشجار"، "صخب البحيرة"، "أصوات الليل"، "ويأتي القطار"، "ليالٍ أخرى"، "جوع"، "فردوس".

 ومن مجموعاته القصصية: "الكبار والصغار"، "حديث من الطابق الثالث"، "أحلام رجال قصار العمر".