لا يزال قادة الدولة العبرية ينظرون إلى يوم الثامن من يوليو على نحو خاص ويؤرخون أحداث حياتهم العامة منها والخاصة على السواء بهذا اليوم، ويقولون حدث ذلك قبل الثامن من يوليو أو بعده، ففي ذلك اليوم من عام 1972 أو في صباح ذلك اليوم على وجه التحديد تمكنت مجموعة من جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) من التسلل إلى منطقة الحازمية في بيروت.

وزرعت عبوة ناسفة في سيارة الروائي والقاص والصحافي الفلسطيني غسان كنفاني، وتمكنت من تفجيرها عندما صعد إلى سيارته وبصحبته ابنة أخته لميس، فاستشهد الخال وابنة الأخت معاً في صباح بيروتي حزين.

الرحيل المبكر

رحيل غسان كنفاني سجل خسارة بالغة بالنسبة لكثيرين أسفوا على ذلك الرحيل المبكر جداً، ليس لأنه كان يلعب دوراً نضالياً مميزاً في الحركة الوطنية الفلسطينية فحسب، وإنما لدوره التنويري أيضاً على مستويات مختلفة، وفي ميادين يصعب الجمع بينها في شخص واحد لتتعدى الموهبة والمثابرة والتصميم في حالة مؤلف رواية "عائد إلى حيفا" الجانب الكمي من المنتج الابداعي، وتتوغل إلى نوع ذلك المنتج وجودته وجديته وملامح النبوغ فيه، فمن يستطيع أن ينسى تلك العبارة التي أطلقها غسان على لسان أم سعد ابنة المخيم والتي تقول "خيمة عن خيمة تفرق".

نبوءة غسان

تلك العبارة لم تمر مرور الكرام، ومن خلالها تمكن غسان بثقافته الواسعة وموهبته وروحه الكفاحية من التنبؤ بمستقبل شعب نفض غبار الهزيمة عن كاهله وقرر الانطلاق بثورته، فاستبدل خيمة اللاجئ الشريد الهائم على وجهه في شتات لا متناهي ليحل محلها خيمة الفدائي المصمم على تحرير أرضه من المغتصب الصهيوني، تلك كانت نبوءة غسان التي أينعت واقعاً فلسطينياً مغايراً عنوانه الكفاح.

في حضرة الموت

رحل غسان وترك لنا ما يمكن أن يرقى إلى مستوى العزاء في حضرة الموت والخسارات الكبرى التي لا تعوض، ترك لنا إرثاً أدبياً وفكرياً حافلاً بالرواية والقصة والمسرحية والأطروحة وحتى الرسم، فمن ينسى لوحات غسان الخطية التي تحتل فلسطين موقع القلب فيها، رحل وترك لنا أن نتخيل كيف تمكن من جمع كل تلك الوجوه الابداعية في شخص واحد ومن أين كان يؤمن الوقت اللازم لإنجاز كل ما أنجزه.

ذلك الإرث الذي خلفه غسان يتنامى يوما بعد يوم، لم يخفت بريقه مع الرحيل المر، فقد حرصت شخصيات ومؤسسات فلسطينية وعربية وعالمية كثيرة على إبقاء شعلة ذلك الإرث متوهجة، ليس من خلال الاحتفاء به في المناسبات فقط، وإنما من خلال نشر أعمال غسان مراراً وتكراراً، ومن خلال ترجمتها إلى العديد من لغات العالم .

ومن خلال إنشاء مؤسسة غسان كنفاني التي تقوم عليها زوجته الدانماركية آني، ومن خلال إخلاص رفاق له في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حرصوا على استكمال مسيرة غسان ومعهم الكثيرون من التقدميين على المستويين العربي والعالمي.

لم يبق إرث غسان حبيس الدروج والرفوف، بل حمله مبدعون ومناضلون آخرون إلى حيث يجب أن يكون فاعلا كما أراد له صاحبه، فعلى مستوى الأعمال الأدبية من روايات وقصص ومسرحيات، فإن معظمها إن لم نقل جلها قد شق طريقه إلى خشبات المسارح وشاشات السينما والتلفزيون، فمن ينسى فيلم " عائد إلى حيفا"، الذي تم انتاجه سينمائيا وتمت إعادة إنتاجه مرات ومرات.

في سطور

 

 

 

غسان كنفاني (عكا 9 ابريل 1936 - بيروت 8 يوليو 1972)، روائي وقاص وكاتب مسرحي وصحافي وناقد أدبي فلسطيني تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في 8 يوليو 1972 عندما كان عمره 36 عاماً بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت. كتب عن مواضيع التحرر الفلسطيني، كما كان عضواً في المكتب السياسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في عام 1948 أجبر وعائلته على النزوح من موطنه فلسطين، فعاش في سوريا كلاجئ فلسطيني ثم في لبنان.

أكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952. في ذات العام سجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، انضم إلى حركة القوميين العرب التي ضمه إليها جورج حبش لدى لقائهما عام 1953. ذهب إلى الكويت.

حيث عمل في التدريس الابتدائي، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية (1961) مسؤولا عن القسم الثقافي فيها، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة (المحرر) اللبنانية، وأصدر فيها (ملحق فلسطين)، ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم "مجلة الهدف" وترأس غسان تحريرها، كما أصبح ناطقا رسميا باسم الجبهة. تزوج من الدانماركية (آني) ورزق منها بولدين هما فايز وليلى.