يقدم معرض «أبراج وناطحات السحاب، من بابل إلى دبي»، الذي تحتضنه مدينة برشلونة وتنظمه مؤسسة «لا كاشيا»، والذي افتتح مؤخراً ويستمر حتى 9 سبتمبر، جولة عبر تاريخ بناء الأبراج وناطحات السحاب، انطلاقاً من أسطورة برج بابل، البناء الذي يتحدى قوانين الطبيعة، والذي شكل مصدر إلهام للرسامين الأوروبيين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وصولاً إلى ناطحات السحاب التي انتصبت في القرن الـ21 وكان آخرها وأعلاها برج خليفة الذي تحتضنه مدينة دبي.
أسطورة بابل
منذ إبداع أسطورة برج بابل حتى ظهور أولى ناطحات السحاب عام 1850 في الولايات المتحدة، راح هذا النموذج المعماري يعاد إنتاجه بشكل اعتيادي حول العالم ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين، ذلك أن الأبراج تعكس أحد أهم عناصر الحداثة وتشكل مرجعيات لا غنى عنها في مفردات التخطيط الحضري للمدن. ناطحات السحاب باتت تعتبر إحدى أيقونات الحداثة بعد أن تحول منظرها إلى رد مثير للاهتمام على شح المكان وضيق المساحة ليس في المدن الكبيرة فحسب، وإنما في أي مكان من العالم.
فاعتماد التقنيات الحديثة والذكية يفتح الباب واسعاً لتجديدها ويقدم رداً عملياً على المشاكل الجديدة، وكذلك على الحساسيات المعقدة. الارتفاع، التقنية، الاستدامة، الإبداع، والطابع الرمزي، وحالة التصالح بين الطابع الوظيفي والتأثير الجمالي، كلها قضايا أساسية مفعمة بالمعاصرة.
طابع معماري
يتطلع معرض برشلونة، من خلال عدد من الرسومات والمنحوتات واللوحات والمجسمات والصور والأفلام، إلى استكشاف الطابع المتنوع والمتعدد للهندسة المعمارية التي أظهرت عبر مرور الزمن قدرة استثنائية على البحث عما هو صعب المنال من خلال تجاوزها لأي عائق مادي والرغبة في الانتصار عليه.
وتسعى مؤسسة «لا كايشا» العريقة إلى طرح مشروع جديد يظهر شغف العاملين في ميدان العمارة، بينما يستحضر، في الوقت نفسه، ذلك الميل الإنساني لمواجهة التحديات المستحيلة والانتصار على الصعاب المادية، حيث تتكفل الأشكال المعمارية بعكس شغف افتتان الإنسان بالمفهوم العمودي، وتذكرنا بذلك البحث الإبداعي والابتكار المدموغين بالجرأة والروعة، وكذلك السيطرة التامة على المواد وعلى العمل نفسه. فأسطورة برج بابل المنقوشة في الذاكرة الإنسانية تنبهنا، في المقابل، بضعف أي مبادرة والمخاطر التي تصاحبها.
مصادر إلهام
كثيرة هي المباني التي ترمز لأسطورة المرتفعات، بدءاً بكاتدرائيات أوروبا المسيحية وصولاً إلى مآذن الشرق، مروراً بأبراج المراقبة في شمال أوروبا، لكن الهدف يكمن دوماً في التنافس على النموذج وتجاوز الارتفاعات المحققة في لحظة تاريخية ما بغض النظر عن طبيعة تلك الأبنية وعما إذا كانت تأتي في سياقات دينية أو علمانية. ومنذ العصور الوسطى، والموضوع الحربي لبرج بابل يلهم بلا توقف الفنانين، فالبرج الحلزوني الضخم المرتفع نحو السماء، الذي كرس نفسه في مشهد العمارة على مستوى العالم بفضل رسامين مثل بروخيل العجوز، يزين نفسه بأعمال غرافيك لا تنسى منذ القرن السادس عشر، حيث هناك مجسم «ماكيت» أصلي استثنائي يسمح لزائر معرض «أبراج وناطحات سحاب.. من بابل إلى دبي» بإدراك البعد الثالث لبرج بابل المنشود.
مبانٍ وصروح
من بين أبرز المباني المرتفعة التي تعرض لها مؤسسة «لا كايشا» في برشلونة هناك كاتدرائيات الغرب ومآذن الشرق وكذلك معابد البوذيين مثل معبد «نانكين» ومعبد «العائلة المقدسة» في برشلونة الذي صممه أنطونيو غاودي، فضلاً عن برج إيفل ومبنى بيت التأمين في شيكاغو ومبنى «الفاتيرون» ومبنى «سنجر» وبرج «متروبوليتان»، ومركز التجارة العالمي ببرجيه التوأمين، وغيرها من الأبنية التي تحتضنها الولايات المتحدة وجعلتها تسيطر على مشهد الأبراج وناطحات السحاب حول العالم، والتي تركت بصمتها على أوروبا وعلى الاتحاد السوفييتي، حيث أخذ ستايلن النموذج الأميركي ووضعه في خدمة الأفكار الشيوعية، فظهرت مساكن موسكو وجامعة موسكو وغيرها من الأبنية التي لا تزال قممها تحاكي سقف السماء. أيقونة
في الغرب وخلال القرن التاسع عشر، سرعت المنجزات الصناعية والثقة بالتقدم اللصيقة بالتغير على مستوى المدن، روح التجريب أو التجريبية، وكانت الولايات المتحدة البلد الذي ترأس حتى سبعينات القرن الماضي تلك التحديات الجديدة، لكن اعتباراً من ثمانينات القرن الماضي حصل تحول كان من شأنه أن جعل نموذج ناطحات السحاب يمتد إلى جهات الدنيا الأربع. ففي عام 2012 برز لاعبون جدد على هذا الصعيد، حيث أصبح ثلثا كبريات ناطحات السحاب في العالم تقع في الشرق الأوسط وفي الإمارات تحديداً، حيث يعتبر برج «خليفة» بدبي أعلى ناطحة سحاب في العالم وأيقونة خاصة، حيث يصل ارتفاعه إلى 828 متراً، شاقاً السماء بشكل غير مسبوق.


